أوّد الاعتذار منك أولاً لأنني تمنيت حين بعثت لي رسالتك لو كنتُ نائمة حينها فلا أرى الرسالة، ولو رأيتها في الصباح التالي لكانت ضاعت بين عشرات الرسائل، فأتكاسل عن قرأتها. وأنني أيضاً، ترددت كثيراً قبل الرد حين قرأت الرسالة، لأنني كنت أظنك أصلاً قد مُت منذ ثلاث سنوات، فقد وصلنا هذا الخبر من اصدقائنا المشتركين. وعتبي عليك انك غبت عن العالم الافتراضي ايضاً ما ساهم بتعزيز «الخبر». اعتقدت عندما رأيت رسالتك من حسابك الشخصي على فايسبوك ان أحدهم أحبّ أن يمازحني مزحة سمجة وأراد تقمّص شخصيتك في رسالة تلك الليلة.


أوّد الاعتذار منك ثانياً لأنني أجبرتك عندما تأكدت أنك لم تمت ان تحكي لي ما حدث لك خلال السنوات الثلاث الماضية في محادثة لا تتجاوز العشر دقائق. لا تؤاخذني على تصرفي، فأنا لست معتادة على أن يعود أصدقائي من الموت، فأنت كنت قد مُت افتراضياً، بدليل أننا بكينا عليك كثيراً حينها. وهذا ما يدفعني إلى الاعتذار منك ثالثاً، لأنني بكيت أكثر حين أخبرتني بنفسك أنك لاتزال حيّا ترزق. أنا آسفة يا صديقي، لأنني لم أكن أعرف أنك أصبت وأنت تؤدي واجبك كُمسعف في مخيم اليرموك، ولأنني لم أكن أعرف أنك سجنت سنتين بعدها وانت جريح، ولأن صديق عمرك الوحيد أصبح مشلولاً وهو يؤدي واجبه معك جنباً إلى جنب. أنا آسفة لأنني مهما حاولت أن أفهم، لا يمكنني أن أفهم، وأن أية دمعة حزن ستكون بمقياس اللاشيء مقابل كل دمعة ذرفتها أنت تحت القصف. أريد الاعتذار منك أخيراً... لأنني منذ ليلتنا الماضية وحتى الآن، مازلت أختلق الأعذار لنفسي كي لا أحادثك. فإن حادثتك يا صديقي، ماذا سأقول؟ "حمدلله عالسلامة"؟! ما أسخفها من عبارة! لم أجد بداية حديث واحدة خلال الأسابيع الماضية تليق بوضعك الجديد، فأنت كنت المرح دائماً، كنت "نكتجي الشِلّة"، كان الجميع يحبك. أما الآن فأنت الميت/الحي. فكيف يبدأ الحديث معك؟ ما هي الاعتبارات التي يجب أن تؤخذ في مسار الحديث؟
ربما الأجدر بي أن أخبرك الحقيقة المُوجعة: الحرب يا صديقي، لا تُسقط الأقنعة فحسب، بل تشوّه ما دونها أيضاً. وإن كنّا نحن على مسافة واحدة منها في بدايتها، فهي اليوم جعلتنا على بُعد مسافات من بعضنا، مسافات تكاد لا تلتقي ولو حاولنا ذلك. خلافات سوريا أصبحت روتيناً لبنانياً بجدارة، ومثلما جعلت الجار يتعارك مع الجار في ريف دمشق، فهي فرّقت الأحبة في أزقة بيروت أيضاً. لم أخسر صديقاً في حرب سوريا، ولكنني خسرت أصدقاء بسببها في لبنان، ربما بسبب إصراري على المكوث على المسافة ذاتها، أو ربما لأنني اعتزلت الحديث عن سوريا أصلاً. الحرب يا صديقي، دمارٌ شامل لكل أسس العلاقات الشخصية، فترساناتها ليست فقط دُشم مادية على االأرض، بل هي أكثر من ذلك، هي ترسانات عاطفية/ فكرية/ معنوية. إن صار وزالت دُشم الأرض، فسيبقى من الصعب جداً إزالة دُشم العقل.