هدّد رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، الفلسطينيين في قطاع غزة بأن إسرائيل ستردّ على أيّ «اعتداء» صاروخي ينطلق من قطاع غزة باتجاه المستوطنات الإسرائيلية في جنوب فلسطين المحتلة. وأضاف في كلمة ألقاها من باحة «حائط المبكى» (حائط البراق) في القدس المحتلة، إن أمن إسرائيل يأتي قبل كل شيء، ولن «أمرّ مرور الكرام حتى على إطلاق صاروخ واحد على أراضينا».

وقال: «لهذا السبب ردّ سلاح الجو على إطلاق الصاروخ (من غزة)، ودمّر مصنع اسمنت استخدمته حماس لترميم أنفاق تمّ ضربها أثناء عملية الجرف الصامد»، مشيراً إلى أنّ «حركة «حماس» تتحمل المسؤولية عن أي تصعيد، «ونحن سنحافظ على أمن إسرائيل».

بدوره، طمأن وزير الأمن الإسرائيلي، موشيه يعلون، المستوطنين في «غلاف القطاع» الى أن عملية إطلاق الصاروخ الفلسطيني لا تعني أن المواجهة مع القطاع باتت وشيكة، مشيراً إلى أن «عامل الردع» الإسرائيلي هو الذي يجعل الفلسطينيين يخافون من المواجهة، ويمنعهم من إطلاق آلاف الصواريخ يومياً باتجاه الأراضي الإسرائيلية. وقال: «منسوب الرّدع المرتفع هو إحدى نتائج عملية الجرف الصامد التي أفهمت الفلسطينيين بأن إسرائيل لا تتغاضى، ولا ترتدع، عن تدفيع الثمن لكل من يحاول الإضرار بها».
مع ذلك، أطلق يعلون تهديداته تجاه الفلسطينيين، رغم تأكيداته أنهم «مردوعون»، وقال: «لن نتحمل العودة إلى واقع القصف المتقطع على مواطنينا... ننظر إلى حماس كمسؤولة عما يجري في مناطق غزة، وسنعرف كيف نرد عليها بهجمات، إذا لم تعمل على منع إطلاق الصواريخ على إسرائيل».
في السياق، قدّر رئيس الهيئة الأمنية ـ السياسية في وزارة الأمن الإسرائيلية، عاموس غلعاد، أنّ «حماس» معنية بمواصلة التهدئة مع إسرائيل «بسبب وضعها السيئ» في أعقاب «الجرف الصامد»، مؤكداً أن «عامل الردع لا يزال قائماً في محيط غزة، الأمر الذي يترك تأثيراته على نيات حماس».
وأضاف، غلعاد، في سياق مقابلة إذاعية أمس، إن إسرائيل «تعمل على دفع أعمال إعادة الإعمار في القطاع قدماً»، لكن «الصراعات الداخلية بين قيادة حماس والسلطة الفلسطينية تؤدي إلى تأخير تنفيذ مختلف المشاريع». ورداً على سؤال حول التهديد الذي يشكله تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» لإسرائيل، رأى أن «التنظيم لا يوجّه نشاطه في المرحلة الراهنة ضد إسرائيل».
مع ذلك، ورغم محاولات المسؤولين الإسرائيليين، على أعلى مستوى، طمأنة المستوطنين إلى أن المواجهة غير وشيكة مع الفلسطينيين، فإن تقديرات استخبارية إسرائيلية أشارت إلى أن المواجهة المسلحة بين الفصائل الفلسطينية وجيش الاحتلال، ستتجدد خلال أشهر. هذا ما خصلت إليه شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي (أمان)، في تقرير تقويم الوضع لعام 2015، ونشرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» مقتطفات منه.
ووفق التقدير الاستخباري للعام المقبل، أشارت الصحيفة إلى معقولية مرتفعة لتجدد المواجهة، وعلى هذه الخلفية، «أصدرت الجهات المعنية في هيئة الأركان العامة للجيش، أوامر للاستعداد والجهوزية لمواجهة عسكرية محتملة». ويرد في التقدير أن «أي حادث تقدم عليه السلطة أو حماس أو إسرائيل، من شأنه أن يترك أثراً خطيراً في الوضع، حتى وإن كان الافتراض أنه سيكون محدوداً، دون أبعاد فورية على الوضع الأمني»، في إشارة منها إلى الخطورة التي كانت كامنة في إطلاق الصاروخ قبل يومين من غزة.
وتضيف «يديعوت أحرنوت» إنه «يجب النظر إلى التدهور الأمني الأخير، في نهاية الأسبوع الماضي، في القطاع، على خلفية تأثير أي حادث على الوضع الأمني برمته، وذلك بعدما أقدم فصيل من الفصائل الفلسطينية، لا يرتبط ظاهرياً بحماس، على إطلاق صاروخ باتجاه الأراضي الإسرائيلية».
من جهة أخرى، أشارت صحيفة «معاريف»، نقلاً عن مصادر عسكرية إسرائيلية، أن «حماس» عادت إلى بناء الأنفاق الهجومية «رغم أنها غير معنية بالتصعيد الأمني»، وأضافت الصحيفة إن «القلق الشديد يسود أوساط الاستخبارات في إسرائيل، جرّاء سلوك حماس في أعقاب الجرف الصامد».

غلعاد: «داعش» لا يوجّه نشاطه في المرحلة الراهنة ضد إسرائيل

مصدر رفيع المستوى في الجيش الإسرائيلي قال لـ«معاريف» إن «حماس ترفع رأسها وتعود لترميم بنيتها التحتية في القطاع، إضافة إلى عمليات التدريب، وإطلاق الصواريخ باتجاه البحر في إطار التجارب التي تجريها على الصناعة الصاروخية... هذا كله يضاف إلى تنظيم عروض قوة عسكرية في الشارع الغزاوي». لكن المصدر نفسه استدرك بأن «حماس لا تريد تصعيداً للوضع الأمني، بل تريد التلميح أمام العالم إلى أن القطاع يعاني ضائقة بعد الدمار الكبير».
تقدير الوضع في إسرائيل، طبقاً للصحيفة، يفيد بأن حركة «حماس» تنجح في إدخال مواد وأسلحة من شبه جزيرة سيناء إلى القطاع، وذلك رغم كل «الجهود الجيدة التي يفعلها المصريون لمكافحة ذلك، وفي الجيش يقولون إنّ حماس تحاول تهريب السلاح والمواد من البحر، لكن سلاح البحرية الإسرائيلية يحكم سيطرته على المنطقة المائية جيداً».
وكانت صحيفة «هآرتس» قد نقلت عن مصادر عسكرية رفيعة المستوى، تأكيدها أن مستوى الردع، تجاه غزة، لم يعد كافياً لمنع الفلسطينيين من المبادرة. وكتب معلق الشؤون العسكرية في الصحيفة، عاموس هرئيل، أن الفهم الإسرائيلي لمصطلح الردع، المتبلور جزئياً كبديل من السعي إلى حسم الحروب، ليس غير كاف فقط، إنما «قد يلحق أيضاً أضراراً استراتيجية بالأمن الإسرائيلي». وحذر هرئيل من أن الجيش انتقل تدريجاً من الحروب التي هدفها الحسم، إلى الحروب التي منطقها الردع. لكن، وفق المصادر العسكرية الرفيعة، فإن «مفهوم الردع في العصر الحديث، بات قديماً وقد انهار وأفلس ولم يعد يجدي نفعاً».
وأشارت الصحيفة إلى أن مفهوم الردع الإسرائيلي تطور بصورة غير واضحة، وهناك «من يتوهم فعاليته وتأثيره على الأعداء، لأنه في ظروف معينة، سواء الهدوء أو العنف، قد يكونان نتيجة لاعتبارات غير مرتبطة بإجراءات الجيش الإسرائيلي». وعلى سبيل المثال، فإن «التهديدات الإسرائيلية تجاه لبنان بين عامي 2000 و2006، كان ينظر إليها كتهديدات غير حقيقية، والجيش الإسرائيلي كنمر من ورق»، لتخلص الصحيفة إلى أن رئيس الحكومة، نتنياهو، «يجب أن لا يسوّل لنفسه بأنه أحرز تفوقاً بعيد المدى في غزة، إذ من المتوقع أن تعود المشكلة الغزاوية إلى طاولته، وربّما إلى طاولة خلفه، في السنوات المقبلة أيضاً».