حمص | حلول الظلام على المارين في حي الحميدية وسط حمص القديمة يبعث على الكآبة. المباني المدمرة وبرد الشتاء، مع نقص وقود التدفئة، ترخي بظلالها على المارين القليلين. بعض الألوان تحاول إضفاء شيء من الحياة في وجه اللون الأسود الذي يكتسح الحي. الألوان كلها اجتمعت في بهو كنيسة أم الزنار المزينة بالشجرة وأضوائها. عدد الحاضرين القليل عشية الميلاد يشي بالحرب المجنونة التي دارت ضمن الكنيسة وما حولها. يقول أحدهم: «قبل الحرب كانت هذه البقعة من البلاد رمزاً للميلاد والسلام والاحتفالات والمحبة.


اليوم عاد جزء من الأهالي إلى الحي، والحال ليس على ما يرام في ظل انعدام متطلبات الحياة في منطقة منكوبة». عمليات الترميم جارية في الكنيسة القديمة على قدم وساق. ولعلّها الأسرع بين عمليات ترميم مبانٍ أُخرى. أمام مذبح الكنيسة يمكن نسيان مشهد الخارج، إذ إن التقنين الكهربائي توقف عن الحي إكراماً للمحتفلين بميلاد طفل المغارة. الشجرة الأنيقة والمغارة المزينة تدخلان بعض السرور إلى من يعرف الكنيسة خلال فترة المعارك المنتهية منذ أشهر. الخروج سيراً على الأقدام باتجاه ساحة الملجأ القريبة، يسمح بتفحص التفاصيل المحيطة. على باب الكنيسة وضعت لافتة عليها صورة الأب اليسوعي الهولندي فرانس فاندرلوخت الذي قضى برصاص المسلحين، خلال أحداث حمص القديمة.

ما زالت الحواجز في وادي النصارى تزاول عملها بالحذر المعتاد


على اللافتة كتبت عبارة: «مسير إلى الأمام»، كعبارة مستعارة من الراهب الهولندي الذي كان يستخدمها لحثّ الشباب، بقوله «إلى الأمام». كُتب على اللافتة، أيضاً، موعد انطلاق مسير جديد كفاعلية أهلية، لكن دون الأب هذه المرة.
وإذ انتهت الأحداث الأمنية الصعبة في الحي، إلا أن الناس ما زالوا يحاولون علاج آثاره السيئة. على بعض الجدران رسمت لوحات موقعة باسم: «بصمات ملونة». فاعلية مدنية بدأها أهالي الحي بالرسم على الجدران المتصدعة. وفي «ساحة الملجأ» أقام الشباب القيمون على المشروع معرضاً فنياً ومغارة عملاقة منارة على نحو خفيف بما يتناسب مع إمكانات الطاقة المتوافرة. المرور في أزقة الحي ليلاً، يلفت إلى العدد الحقيقي للعائلات التي سكنت الحميدية مجدداً. في كل مبنى يلحظ وجود شقة مُنارة أو أكثر. وكسائر مواطني البلاد، يعاني الأهالي في سبيل تأمين المحروقات للتدفئة، في ظل البرودة المضاعفة داخل بيوت الحي القديم. بعض المباني ليست إلا هياكل خرِبة مخيفة يزداد سوادها بشاعة في الليل، غير أن شباب «بصمات ملونة» اختاروا أكثر المباني دماراً، لنصب الشجرة الخضراء المُضاءة بالآمال، جوارها.

وادي النصارى... واستراحة المقاتل

تشق السيارة طريقها إلى وادي النصارى. احتفالات الميلاد عامرة في القرى المسيحية، بعد سنوات من القلق، قضاها أهل الوادي في هاجس وحيد وهو قلعة الحصن المطلّة على المنطقة. تحرير الجيش للقلعة، ربيع العام الماضي، سمح لأهالي الوادي بالتنفس. اليوم أغاني الميلاد تتردّد في كل قرية وحيّ. «نسخ» من «بابا نويل» تصدفها في الطريق إلى مرمريتا، إذ إن أطفال الوادي يستقبلون صديق الأطفال بفرح أكثر صدقاً هذا العام. لا رصاص قناص يخطف الفرح. الازدحام على باب كنيسة يوحنا المعمدان في مرمريتا سببه عزف الكشاف، ما ساهم في حشد عدد أكبر من الأهالي. يصطفّ العازفون حول الشجرة المصنوعة من إطارات السيارات، والملونة على نحو غريب. وعند سؤال أحد مسؤولي المنطقة عن سبب اختيار الإطارات، يجيب ساخراً: «بما أنو أوفر شي». أصبحت السخرية ممكنة، بعدما غاب توتر الخطر السابق حيث كان المسؤولون مطالبين بتأمين الأمان ولا شيء آخر. ويعقّب الرجل بجدّية أن فكرة شجرة الإطارات ظهرت في لبنان، ولاقت استحساناً بين أهالي الوادي.
وبرغم انتهاء الحرب في المنطقة، وسيطرة الجيش على الحصن والزارة، المظاهر المسلحة لم تختفِ كلياً. ما زالت الحواجز تزاول عملها بالحذر المعتاد، باعتبار محاولات التسلل مستمرة عبر الحدود اللبنانية، في محيط بلدة تلكلخ السورية التي تعد أولى البلدات العائدة إلى سيطرة الجيش في الريف الغربي لحمص، وفق تسوية سياسية. ما اختلف في الوادي يتمثل بتجوال قائد «قوات الدفاع الوطني» في وادي النصارى بشر يازجي، بلباسه المدني. يسميها الرجل «استراحة مقاتل»، ويضحك. غير أنه يظهر بكامل الرضى، عن المرحلة الماضية التي عُدّ خلالها المطلوب الأول في الوادي، لدى المسلحين. وبرغم الاتهامات الدموية التي طاولته ومقاتليه، غير أنه يقيّم المرحلة السابقة بـ«ضمير مرتاح»، باعتبار السلاح «الأهليّ» حمى المنطقة وأخرج أهلها من دائرة الحياد الظاهري الذي قاد لاحقاً إلى خسارة عدد من أبنائها ذبحاً. يمكن ليازجي أن يرفع صوته بترتيل صلوات الميلاد، بحضور عدد من المسؤولين الذين زاروا الوادي، لتقديم التهنئة لأهله. ترتيل يوحي بطمأنينة «المقاتل» إلى السلام الذي يعيشه الوادي أخيراً. غير أن استراحة المقاتل قد لا تطول، وفق هواجس الأهالي الذين تعيدهم حوادث الحدود المتفرقة إلى مراحل سابقة من المعارك وأخبار الموت. شارع المطاعم يعيش ليالي الاحتفالات العامرة بمناسبة الأعياد، فيما تستوقف الخارجين من حمص صور عملاقة لشهداء المرحلة السابقة، تذكّر المحتفلين بأن للميلاد أحزاناً أيضاً، أهمّها خسارة من دافعوا عن أفراحه من شهداء الوادي.