سارت خريطة الطريق التي وضعها عبد الفتاح السيسي منذ كان وزيراً للدفاع في عام 2014 كما أراد، بل أضفى الرئيس السابق (المؤقت)، عدلي منصور، لمسته عليها في السادس والعشرين من كانون الثاني الماضي بتعديل المسار السياسي بعد عزل الرئيس محمد مرسي. قضى التعديل بالبدء في انتخابات الرئاسة أولاً، ثم انتخابات البرلمان، على عكس ما كان مقرراً. في صبيحة اليوم التالي، أي السابع والعشرين، أصدر منصور قراراً جمهورياً بترقية السيسي، من فريق أول إلى مشير، وهي أعلى رتبة في الجيش المصري، لكن ذلك كان تمهيداً لتركه منصبه العسكري والترشح لانتخابات الرئاسة تحت عنوان الاستجابة لدعوات شعبية.


خلاصة هذه الإجراءات ظهرت في السادس من حزيران حينما تسلم السيسي السلطة بفوز كاسح بنسبة 96.91%، فيما حصل منافسه حمدين صباحي على 3.09% فقط. منذ تلك اللحظة بدأ «الجنرال» تصحيح الصورة وأعلن في الرابع والعشرين من الشهر نفسه تنازله عن نصف راتبه البالغ 42 ألف جنيه (5800 دولار)، وأيضاً نصف ما يمتلكه من ثروة لمصلحة «المحروسة»، مطالباً المصريين بالتكاتف الذي أكده بإنشاء صندوق «تحيا مصر» لدعم الاقتصاد في الأول من تموز الماضي.
بعد ذلك، صارت الإجراءات الاقتصادية هي العنوان الأبرز، وخاصة أن جماعة «الإخوان المسلمون» أخرجت من السياق السياسي بالقوة. لكن القرار المثير للجدل هو وضع حد أقصى لدخل العاملين في الدولة، إذ أصدر السيسي، في الثاني من تموز، قراراً يقضي بألا يتجاوز ما يتقاضاه أي عامل 42 ألف جنيه شهرياً، وهو ما يمثل خمسة وثلاثين ضعفاً من الحد الأدنى (1200 جنيه)، ما دفع عدداً من موظفي الحكومة والبنوك إلى الاستقالة. ولم تخل القرارات الرئاسية من متابعة الحالة العلمية، إذ صدر في السابع من أيلول بتشكيل مجلس استشاري من كبار علماء وخبراء مصر يتبع الرئيس مباشرة.

مواجهة «الإرهاب»

شهد 2014 جهوداً مصرية كبيرة لمحاربة «الإرهاب» بدءاً من قرار عدلي منصور في حزيران الماضي إلغاء قرارات مرسي لعامي 2012 و2013، وخاصة العفو عن 52 شخصاً صدرت بحق بعضهم أحكام بالسجن والإعدام منهم تسعة قياديين في جماعة الإخوان. في المقابل، أعلنت السلطات القبض على «آلاف المحرضين والمجرمين» الذين ملأت قضاياهم ساحات المحاكم وانتهى بعضها بأحكام إعدام كما الحال مع 12 متهماً في قضية مقتل اللواء فراج و 529 من «الإخوان» في أحداث «شغب ما بعد رابعة العدوية»، فيما وصلت إلى السجن المؤبد 20 سنة مثلما جرى مع قضايا التحرش الجنسي في ميدان التحرير.

القرارات الاقتصادية راوحت ما بين
مصلحة المواطن والضغط عليه
ومن الأحداث البارزة قضائياً الحكم في شباط الماضي بحل حزب «الحرية والعدالة»، الذراع السياسية لجماعة «الإخوان»، وتصفية ممتلكاته وأمواله لمصلحة الدولة بعد «ثبوت ضلوع الحزب في عمليات إرهابية».
أما الأكثر إثارة للضجة، فكان الحكم على مبارك ونجليه ووزير داخليته بالبراءة من قتل متظاهري ثورة 25 يناير في نهاية تشرين الثاني الماضي، ولا تزال آثاره مستمرة حتى اليوم.
ميدانياً، تزايدت العمليات الهجومية في مصر، وتحديداً في شبه جزيرة سيناء، حاصدة أرواح عشرات الجنود والضباط المصريين. وأكثرها إيلاماً الهجوم على كمين في كرم القواديس راح ضحيته 30 جندياً، ما اضطر رئيس الوزراء، إبراهيم محلب، إلى استصدار قرار، في تشرين الثاني الماضي، يقضي بإخلاء الشريط الحدودي مع قطاع غزة، وإقامة منطقة عازلة هناك.

عودة إلى أفريقيا والعالم

يمكن القول إن السنة المقاربة على الانتهاء كانت الأفضل لمصر على مستواها القاري، إذ فتحت جسور التواصل مرة أخرى مع عدد من الدول الأفريقية، ودل على ذلك زيارة الجزائر ثم غينيا الاستوائية، ثم السودان فإثيوبيا. وخلال حفل تنصيب السيسي رئيساً، كان هناك حضور بارز لإيران، لكنه لم يطوّر مستوى العلاقات، والأهم أنه لا يجب إغفال أن انتخاب الباجي قائد السبسي رئيساً لتونس سيعيد فتح صفحة جديدة بين القاهرة وتونس، بعد توتر استمر أكثر من 18 شهراً مع وجود رئيس يدعم الإخوان.
عموماً، تضمنت سياسات مصر الخارجية «تنويع البدائل الخارجية»، وتجسدت في زيارة الرئيس لموسكو، ثم أميركا، وبعض الدول الأوروبية، وليس أخيراً الصين والكويت. كذلك جاءت زيارة السيسي للسعودية على أنها «رد جميل لدور المملكة في دعم مصر على كل المستويات».

«مشروعات الإصلاح»

في هذا العام أيضاً، بدأت الجمهورية تطبيق عدد من «مشروعات الإصلاح» منها منظومة جديدة للخبز هدفها «القضاء على طوابير الخبز» عبر تحديد الكميات، وأيضاً جرت زيادة عدد الطرق بنسبة 10% بالإضافة إلى إصلاح طرق رئيسية. رغم ذلك، كان الأصعب على المواطنين قرار خفض دعم الوقود والكهرباء، ومثل خطورة على شعبية السيسي. في المقابل، فرضت ضريبة جديدة اسمها ضريبة «الأغنياء»، وهي مؤقتة وتستهدف اقتطاع 5% على دخول الأشخاص الاعتباريين «الأفراد والشركات» التي تزيد على مليون جنيه سنوياً، على أن تسدد نقداً لا عيناً، لكن دعوة رجال الأعمال في عهد مبارك إلى الإسهام في تنمية مصر لاقت ردوداً سلبية. أيضاً جرى تعديل قانون الضريبة العقارية ليشمل المنشآت السياحية والفندقية وآبار البترول. ومما كان في مصلحة المواطن، مضاعفة عدد الحاصلين على معاش الضمان الاجتماعي من مليون ونصف مليون إلى 3 ملايين، ورُفع عدد السلع التموينية المطروحة على بطاقات التموين من 3 إلى 20 سلعة من المقرر زيادتها إلى 50، كذلك أصدر قرار بزيادة مليون و200 ألف مواطن تحت مظلة التأمين الصحي.

مشروعات قومية

الإصلاحات الاقتصادية تزامنت مع مشروعات عملاقة بدايتها مشروع محور قناة السويس، وبدأ العمل فيه منذ الخامس من آب الماضي حتى عام، ويتضمن إنشاء مجرى ملاحي جديد للقناة وتعميق المجرى الملاحي الحالي. وسبق ذلك قانون يقضي بإصدار شهادات استثمار متعددة الفئات تستغل حصيلتها في تمويل هذا التطوير، ولاقى استجابة المواطنين الذين جمعوا شهادات استثمار بقيمة 64 مليار جنيه خلال 8 أيام.
أما المشروع الثاني، فكان المثلث الذهبي الذي يهدف إلى تنمية المنطقة بين سفاجا والقصير وقنا، وأنجز 90% من مقومات تنفيذ المشروع، كذلك قلصت المدة المقترحة لتنفيذه من سنتين إلى عام واحد. والمشروع الثالث هو تنمية الساحل الشمالي الغربي وتزامن مع خطة الحكومة لترسيم الحدود المستقبلية لمحافظات الجمهورية. ويضمن هذا المشروع توفير فرص تنموية واستثمارية وإقامة مجتمعات عمرانية جديدة تستوعب الزيادة السكانية في العقود القادمة، ويتضمن إضافة ثلاث محافظات جديدة، هي وسط سيناء، والواحات، والعلمين.
ومن ضمن المشروعات العملاقة «المركز اللوجيستي العالمي لتخزين وتداول الحبوب»، إذ افتتحه السيسي بنفسه في الخامس عشر من الشهر الجاري، وهدفه جعل مصر «محوراً دولياً لتداول وتخزين الحبوب والسلع الغذائية عبر توفير احتياجات السوق المحلية وتأمين الاحتياطي، وأيضاً إمداد الأسواق الإقليمية».

المصالحة العربية

استجابت القاهرة لدعوة الملك السعودي من أجل المصالحة مع قطر بعد خوض الدوحة مواجهة إعلامية ومالية ضدها. لكن المصالحة الكاملة لم تتحقق رغم مرور نحو شهر عليها، وإن سجلت بعض الخطوات الإيجابية كقرار «الإغلاق المؤقت» لقناة «الجزيرة مباشر مصر». في المقابل، استردت الدوحة ملياري دولار أودعتهما في البنك المركزي المصري خلال حكم محمد مرسي. ولا تزال بنود المصالحة بين الطرفين، كالعفو عن قيادات الإخوان مقابل وقف التمويل القطري للجماعة، عالقة، وهي بانتظار لقاء قمة يجمع السيسي والأمير القطري، فيما يظل الخلاف الأبرز مع تركيا معلقاً على عرقوب الدوحة.