سبّب إعلان السعودية، قبل أيام، نيتها إجراء مناورات عسكرية على الحدود العراقية، جدلاً متصاعداً في الداخل العراقي، ولا سيما أن توقيت هذه الخطوة جاء في وقت تصعّد فيه الرياض خطابها إزاء العراق، مستندة في ذلك إلى نشاط سفيرها في بغداد ثامر السبهان، وتصريحات مسؤولين سعوديين آخرين بشأن العملية السياسية العراقية والحرب على "داعش".

وفي إشارة إلى المناورات السعودية المرتقبة، رفض وزير الخارجية إبراهيم الجعفري، أمس، أي مناورات عسكرية تقوم بها الدول المجاورة وتهدد أمن بلاده مع قوات دول أخرى في منطقة حفر الباطن قرب الحدود العراقية. وقال في مؤتمر صحافي عقده مع نظيره التونسي خميس الجهيناوي في العاصمة تونس: "نرفض أي مناورات تهدد أمن العراق الداخلي"، مضيفاً أن "العراق لا يمكن أن يفرّط بسيادته ويرفض أي تدخل أجنبي في أراضيه".
وكانت وكالة الأنباء السعودية قد أعلنت وصول قوات جيوش من 20 دولة ستشارك في مناورات "رعد الشمال" في مدينة حفر الباطن (شمالاً) قرب الحدود العراقية، واصفة إياها بأنها "أكبر مناورة عسكرية في تاريخ المنطقة". وبحسب المصادر الرسمية السعودية، فإن المناورات التي تأتي في ظل تلويح سعودي بإمكانية إرسال قوات برية إلى سوريا، "ستشارك فيها دول الخليج الست و14 دولة أخرى، منها مصر والأردن والسنغال والسودان وباكستان". كذلك أطلقت السعودية، الأحد الماضي، حساباً رسمياً خاصاً بالعملية على موقع "تويتر" باسم "درع الوطن".
في المقابل، طالبت أطراف سياسية عراقية الحكومة في بغداد بالاحتجاج على الخطوة السعودية، في ظل معلومات تداولتها وسائل إعلام محلية عن نية السعودية الدخول إلى الأراضي السورية عبر العراق، الأمر الذي زاد في حدة الاعتراض.
وفي السياق، رأى النائب عن "التحالف الوطني" كامل الزيدي، أن "التحالف السعودي – التركي" يحاول إعادة خلط الأوراق في العراق وسوريا، بعد الهزيمة التي تلقاها تنظيم "داعش". وقال لـ"الأخبار" إن "التقدم على حساب داعش داخل العراق والانتصارات التي تحققت في سوريا دفعا الولايات المتحدة إلى إعطاء الضوء الأخضر للسعودية وتركيا لتشتيت مجريات الأحداث"، مشيراً إلى أن "ما حصل عطل مشروعاً معداً، مسبقاً، بشأن هذين البلدين".

أعلنت هيئة "الحشد الشعبي" رفضها أي تحرك سعودي على الأراضي العراقية

ورأى الزيدي أن "المنطقة على أعتاب حرب عالمية بسبب تقاطع المصالح"، مضيفاً أن "نية السعودية التدخل تأتي تنفيذاً لمخطط أميركي، كما هو الحال مع القوات التركية الموجودة في الموصل".
من جهتها، أعلنت هيئة "الحشد الشعبي" ــ أبرز التشكيلات العسكرية التي تتولى قتال "داعش" ــ رفضها أي تحرك سعودي على الأراضي العراقية، وفي اتصال مع "الأخبار" حذر عضو لجنة الرأي في "الحشد" عبد الهادي الدراجي السعودية "من أي خطوة تصعيدية تجاه العراق، لأنها ستضع نفسها في مواجهة قوات الحشد الشعبي والقوات العراقية". وقال الدراجي إن "السعودية تُحرِّكها في المنطقة أجندات طائفية، وهي تتعامل مع العراق وسوريا على هذا الأساس"، متهماً في الوقت ذاته المؤسسات الدينية في السعودية بـ"التسبب بصناعة داعش عبر فتاوى طائفية تكفيرية".
وكان المتحدث باسم "الحشد الشعبي" قد حذر من أن "حدود العراق ستكون مقبرة لكل من يحاول الاقتراب منها". وقال في بيان: "نود أن نرسل إلى كل هؤلاء، والنظام السعودي في مقدمتهم، رسالة واضحة باسم كل المقاومين والمجاهدين والثوريين في العراق، أن حدود بلاد الرافدين ستكون مقبرة لكل من يجرب الاقتراب منها أو المساس بترابها أو اللعب بأمن مواطنيها".
وتناقلت وسائل إعلام عراقية، الأسبوع الماضي، عن مصدر أمني قوله إن جهات أمنية عراقية رصدت تحركات عسكرية سعودية غير طبيعية على الحدود بين البلدين". وبحسب هذا المصدر، فإن "الأجهزة الأمنية والاستخبارية رصدت قبل أكثر من شهر تحركات غير طبيعية لقوات عسكرية داخل الأراضي السعودية، وتحديداً في منطقة حفر الباطن المقابلة للحدود مع العراق".
كذلك، أشارت وسائل إعلام محلية إلى وجود نية لدى السعودية بدخول سوريا من طريق الأراضي العراقية، حيث يمتلك الجانبان حدوداً مشتركة واسعة، غالبيتها ذات طبيعة صحراوية، لكن هذه المعلومات لم يجرِ الحديث عنها على النطاق الرسمي.
حتى إن وسائل الإعلام ذاتها أشارت إلى أن ثمة موافقة رسمية من بغداد باستخدام القوات السعودية الأراضي العراقية، ضمن التعاون مع "التحالف الدولي"، الذي تقوده واشنطن. لكن مكتب رئيس الوزراء حيدر العبادي نفى هذه المعلومات، وقال المتحدث باسم المكتب سعد الحديثي إن "الحكومة ليس لديها أي نية لاستقدام قوات برية عربية إلى العراق". وأضاف أن "الأنباء التي تواردت بشأن موافقة الحكومة العراقية على دخول قوات برية سعودية إلى أراضي البلاد غير حقيقية، ولا صحة لها".
وكان عضو المكتب السياسي في اتحاد القوى العراقية حيدر الملا، قد رحّب بالدعم العسكري العربي، بقيادة السعودية ومصر والدول الأخرى المشاركة في مناورات "رعد الشمال"، ووصف المعترضين على المناورات بـ"الأصوات الطائفية التي تسعى إلى عزل العراق عن عمقه العربي" والتي "تمثل نفسها فقط".
وطالب الملا، في بيان، الحكومة العراقية بـ"مزيد من التعاون مع قوات رعد الشمال من أجل تحرير الأراضي العراقية من براثن تنظيم داعش الإرهابي".
وترتبط حالة القلق العراقية من نيات السعودية و"التحالف الإسلامي" الذي أعلنت تشكيله، بحديث سابق للسيناتور الأميركي جون ماكين، في أثناء زيارته العراق في الثلاثين من تشرين الثاني الماضي، حين دعا إلى تشكيل "قوات سنية عربية" من دول المنطقة لمقاتلة "داعش" في العراق وسوريا، برفقة قوات أميركية.
وعلى هذا الأساس، تعتقد أطراف سياسية عراقية عدة أن مشروع السعودية، إرسال قوات برية من دول عربية وإسلامية بقيادتها، لا يستهدف سوريا فقط، بل يراد منه التدخل في العراق. ويستند أصحاب هذا الرأي إلى الوجود التركي في الموصل، وما أثاره السفير الأميركي السابق جون بولتون عن أن الحل في العراق وسوريا، هو اقتطاع جزأين من البلدين وتشكيل "دولة سنية" تقوم على المناطق التي يسيطر عليها "داعش" الآن.