دمشق | عادت الاشتباكات والمواجهات المسلحة بين «الجيش الحر» واللجان الشعبية، على نحو تدريجي، لتشمل في الأيام القليلة الماضية غالبية أحياء وشوارع مخيّم اليرموك، إذ تساقطت عشرات القذائف على مدار الساعة، ووصل معدّلها إلى قذيفة كلّ 10 دقائق، استهدف معظمها «شارع لوبيا» التجاري الواقع في وسط المخيم، كما نال «شارع 30» نصيباً كبيراً منها، لكونه يعدّ خط تماس فاصلاً بين اليرموك والأحياء المجاورة، مثل الحجر الأسود، الذي تحوّل إلى قاعدة للجيش الحر. التطورات المتسارعة الوتيرة التي شهدها المخيّم في الأيام الماضية، تسبّبت بتجدّد حركة النزوح، بعدما عاد قسم كبير من الأهالي إلى بيوتهم وأحيائهم إثر إعلان اتفاقية التهدئة.

يسود المشهد في المخيم الدمار والخراب جراء القصف المتواصل. آلاف النازحين يحتشدون يومياً، منذ ساعات الصباح الباكرة، أمام دائرة الهجرة والجوازات للاجئين الفلسطينيين في العاصمة دمشق، في انتظار الحصول على تصريح أمني يسمح لهم بالعبور إلى الأراضي اللبنانية. «يبدو أنّ كلّ لاجئ فلسطيني متهم بالإرهاب حتى يثبت العكس. ما حاجتي أنا العجوز المسنة إلى تصريح أمني يثبت براءتي كي أصل إلى أقربائي في مخيم برج البراجنة في بيروت؟ ألا يدرك حراس الحدود حجم المأساة التي نعيشها في سوريا اليوم؟»، تصرخ الحاجة أم بشير. في وقت فضّل فيه بعض النازحين البقاء داخل الأراضي السورية، لأنه ليس لديهم أقرباء داخل مخيّمات اللجوء اللبنانية. حافلات نازحي اليرموك اتجهت نحو مدرسة أبناء الشهداء في منطقة عدرا الصناعية، لكن القائمين على المدرسة أوصدوا الأبواب في وجه من لجأ للاحتماء في البناء شبه الفارغ الذي يحرسونه، فعادوا أدراجهم حتى وصلوا أخيراً إلى معهد الإعداد الفني والمهني التابع لوكالة الغوث الدولية «الأونروا» في منطقة المزة، الذي استقبلهم في غرف أبنيته، كما افترش بعض النازحين أرض الحديقة المحيطة بالمعهد.
حالة من الرعب وترقّب الموت يعيشها المواطن السوري واللاجئ الفلسطيني على حدّ سواء، بعدما اعتاد على نحو تدريجي أصوات الرصاص والانفجارات القذائف، والوقوف ساعات طويلة على الحواجز الأمنية، رغم فشلها في السيطرة على حجم التفجيرات الإرهابية، التي كان لمخيّم اليرموك نصيبه منها في الأيام الماضية، عندما انفجرت أربع سيارات مفخخة بالقرب من دوار الريجة، وفرن السيوفي، وجامع زيد، ووسط شارع غزال، ذهب ضحيتها عشرات القتلى والجرحى.
تفجيرات اليرموك الأخيرة، الجديدة على هذه المنطقة، تندرج ضمن سلسلة تفجيرات إرهابية، مستمرّة في مجمل المناطق والمدن السورية منذ أشهر عدة. وفي دراسة نشرتها صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية أخيراً، أظهرت وجود 791 منطقة مواجهات بين عناصر المعارضة المسلحة، بمختلف توجهاتها وأسمائها المتعددة، مع الأمن والجيش السوري النظامي، كما أوضحت أنّ سلسلة من التفجيرات الإرهابية التي أصابت العاصمة دمشق ومحيطها خلال الأشهر الستة الماضية، ارتفعت وتيرتها على نحو متسارع جداً، حتى بلغت 365 تفجيراً خلال شهرين، مع تبادل طرفي النزاع السيطرة على بعض المناطق الحساسة والاستراتيجية بالقرب من العاصمة السورية، كان آخرها مخيّم اليرموك.
«كل صباح أقبّل أطفالي وأودّع زوجتي قبل خروجي إلى العمل، كأنها اللحظات الأخيرة التي أراهم فيها»، يقول لـ«الأخبار» أنور (37 عاما)، اللاجئ الفلسطيني الذي يعمل موظفاً حكومياً، عن الحالة المزرية التي يعيشها مع أسرته في ظلّ التفجيرات الإرهابية، التي حوّلت المواطن السوري إلى مشروع جثة موضوعة في كيس قماشي في أحد المستشفيات الحكومية، تنتظر من يتعرف إليها. «هذه التفجيرات لا تميّز بين موالٍ أو معارض للنظام، أو بين سوري وفلسطيني. يمكن أن تحوّلك ببساطة إلى أشلاء يصعب التعرّف إليها. مرات عدة قرّرت البقاء في المنزل، لكن إجازاتي السنوية انتهت. عملي الوظيفي هو مصدر رزقي الوحيد»، يضيف أنور. الحالة، التي يعيشها مع عائلته، تلخّص الواقع المؤلم والموجع الذي يعيشه جميع السوريين. مع كلّ تفجير جديد يزداد حجم الخوف والرعب، وتتقلص مطالب المواطنين لتقتصر على الأمن والأمان، اللذين فقدتهما بلادهم على نحو تدريجي.
رغيف الخبز تحوّل إلى عملة نادرة ورفاهية حقيقية. وسائل التدفئة في برد الشتاء القارس شبه معدومة، مع استمرار غياب مادة الديزل، وندرة الغاز المنزلي، وانقطاع الكهرباء ساعات طويلة، وخاصة في الليل. ويبقى الأمن والأمان المطلب الوحيد الذي لا يمكن التنازل عنه. في هذا المجال، يقول نزار (43 عاماً): «تحوّلت حياتنا إلى ما يشبه حالة الموت المؤجل. لا أحد يعرف كيف ستكون طريقة موته. أين هو الأمان الذي كنا نتغنى به في بلادنا؟». ويضيف بائع الحلويات «كنت أنتظر توقّف سيارة ونزول ركابها للشراء من حلوياتي، الآن كلّ سيارة اعتبرها خطراً كبيراً، فمن الممكن أن تنفجر في أيّ لحظة». مع كل تفجير إرهابي جديد، أو مواجهة مسلحة، ترتفع حدة النقمة الشعبية على جميع أطراف الصراع، على نحو خاص سكان المناطق التي تكرّرت التفجيرات الإرهابية فيها، أو تلك التي تفرض حولها حواجز أمنية بكثرة. «نقف ساعات طويلة في انتظار التفتيش على الحواجز، وفي صباح اليوم التالي يحصل تفجير جديد! من يستطيع اقناع أهالي القتلى والجرحى كيف تمكّن الإرهابيون من العبور؟»، يختصر شاب جامعي ما يدور من حديث بين سكان مدينته. في صباح كل يوم سوري جديد، يقنع المواطن البسيط نفسه بأنّ الحرب والأزمة التي يعيشها بلغت ذروتها، وبأنّ حالة الانفلات الأمني التي تعمّ البلاد ستتراجع على نحو تدريجي، لكن صور الموت المجاني تخرج هؤلاء البسطاء من أحلامهم البسيطة التي تشبههم، وتعيدهم إلى رعب وهول الواقع الذي يعيشونه.