لم تعد الدول تقاتل النظام السوري وحده. فبعض المعارضة بات مستهدفاً أيضاً. في ميدان القتال السوري، يختلط الحابل بالنابل. تضيع البوصلة داخلياً، فيخفت صوت المعارضين الحقيقيين أمام صدى أزيز الرصاص المتطاير. ضياع البوصلة الداخلي لا ينسحب خارجياً، فالهدف واضح: تدمير سوريا واقتلاع الرئيس بشار الأسد، مهما كلّف الأمر. هكذا تغشى العيون رماداً، فلا يعود أصحابها يدرون ما يُريدون. ينسى المعارضون أنّ غاية السلاح تحصيل مكاسب سياسية، فيغرقون في قتال مميت بلا طائل. تبرز عشرات الاستفهامات حيال غياب دور الأطراف المتنازعة سياسياً. وهل يعتبرون السياسة باباً للشقاق في مرحلة تقتضي توحيد القوى؟


يُجري عدد من المعارضين السوريين مراجعة لـ«سنتي الثورة». ينطلقون من تاريخ بدء «الحكم الأسدي»، مروراً بعقوده الأربعة وصولاً إلى «حال سوريا التي لم تعد تُشبه نفسها». يُجمع هؤلاء على ما يلي: في البدء، لم يكن في سوريا أحزاب، إنما «حزب البعث الأوحد». حزبٌ حاكم، زيّن نفسه بمجموعة أحزاب شكلية تزايد عليه أحياناً. بدأ واستمرّ هكذا طوال أربعة عقود. ضجّ السوريون وشكوا تهميشهم وخطف أصواتهم لمصلحة تنظيمات صُورية. رفع المعارضون منهم الصوت مطالبين بالسماح بتأسيس أحزاب تمثّلهم وتُعبّر عنهم سياسياً. طالبوا بـ«قانون تعددية الأحزاب، وإلغاء قانون الطوارئ، وإلغاء المادة 8 من الدستور». ورغم ذلك، لم يُستجب لهم، بل زُجّ المئات منهم في السجون، فكانت تهمة «معارض سياسي»، أخطر التُّهم في سوريا. استمرّ كمّ الأفواه إلى أن بدأت الثورة، فقادها معارضون قضوا سني عمرهم مناضلين في سجون الاعتقال طلباً لـ«حرية الرأي والكلمة». لم تجرِ رياح الثورة بما تشتهي سُفن المعارضين الوطنيين، إذ لم تلبث أن خُطفت، فدخل الأمراء والملوك لـ«تصفية الحسابات». انقسمت المعارضة إلى معارضات. تعسكرت الثورة، رغم رفض بعض المعارضين ذلك، باعتباره «مقتلها». حمل الجميع السلاح لـ«حماية أنفسهم» وقتال النظام الذي «يقتل المتظاهرين العُزّل»، لكن «وجدنا أنفسنا نقاتل بعضنا بعضاً». صارت «الحرب وسيلة للنجاة ورفض تحكّم المتشددين والأصوليين فينا»، بعدما خاضت بعض مجموعات المعارضة مواجهات مسلّحة مع تنظيمات أصولية ذات هوى «قاعدي». تبرز هنا مجموعات تابعة لـ«الكتلة الوطنية» و«حركة معاً» التي تُعدّ من المعارضة الداخلية، إضافة إلى مجموعات شيوعية، ليست كقدري جميل، لم يعترف النظام بها. علماً أنّ أقلّ واحد بينهم، قضى 15 سنة في السجن، فضلاً عن المجموعات المسلّحة التابعة لـ«حركة الرديف الثوري»، التي يقبع ممثلوها السياسيون في الخارج. إزاء ذلك، اضطر هؤلاء إلى الدفاع عن أنفسهم، فعززوا مجموعاتهم المسلّحة، على حدّ قولهم. بدأوا رحلة التواصل مع الدول الخارجية لتحصيل الدعم. فشارك ممثلون عنهم في عدد من المؤتمرات، التي عُقدت بين فرنسا وتركيا، لكن، رغم أن هذه المعارضة تحظى بتمثيل شعبي، على عكس المعارضة الخارجية، اشترطت الدول لدعمها الخضوع لمشيئتها الكاملة. ولمّا رفضت تعرضت للتهميش، وحاربتها عبر مرتزقتها. ولم تلبث أن أطلقت عليها القنوات الفضائية، والمعارضة الخارجية، تسميات متعددة تهكّماً كـ«مجموعات معارضة مدعومة من النظام». هكذا ضاع أصحاب مطالب التغيير الحقيقية بين أرجل الدول التي تقود الحرب في بلادهم.
وبعدما سُدّت السبل في وجه هؤلاء المعارضين، باتوا مقتنعين بأنّ ما يجري تنفيذ لأجندات خارجية، فضلاً عن وصفهم ما يقوم به أمراء الخليج بـ«تصفية حسابات مع شخص بشّار الأسد». ويُجمع هؤلاء على أنّ استمرار المعارك لن يؤدي إلى إسقاط النظام أبداً، إنما استنزاف سوريا وشعبها. ويجزم هؤلاء بأنّ إمكانية إسقاط النظام غير متاحة إلّا على الفضائيات. ويستندون إلى سنتين من القتال، ولا تزال كلّ المدن تحت سيطرة النظام، مشيرين إلى أنّه «حتى إدلب كمدينة لا تزال تحت سيطرة النظام»، فيما سيطرت المعارضة على الأرياف المتروكة من النظام. إزاء ذلك، تبلورت قناعة لدى هؤلاء بأنّ سقوط الجيش السوري بقوة السلاح، يعني تلقائياً، تفتّت سوريا وظهور أمراء حروب، إذ إنّ ضباط الجيش وعناصره سيتحوّلون إلى مرتزقة يحملون السلاح دفاعاً عن وجودهم. وسيتوزّع سلاحهم بين أيدي أمراء الحرب، كما سيتفاقم الاقتتال بين الأقليات وتنظيم القاعدة. بالتالي، تُصبح الثورة، التي يُفترض أن تكون تغييراً نحو الأفضل، مدخلاً لجحيم لا مثيل لها. ويرى هؤلاء المعارضون أنّ سقوط النظام يجب أن يكون تدريجياً على مراحل، يُسهم في حل الأزمة. فوقف إطلاق النار ووجود قانون لتأسيس الأحزاب، ثمّ إجراء انتخابات حرة نزيهة، يسبقها إيجاد حلّ للمسلّحين المقاتلين، وتحويلهم إلى حالة سياسية لحقن دماء السوريين.
ويرى هؤلاء أنّ الخلاف كان مع المعارضة الخارجية في رفضها ترشيح بشار الأسد مرة أخرى، علماً أنّ الأسد يرى في نفسه الحصان الرابح. وهنا تكرّر المعارضة الداخلية موقفها القائل بأنّنا ثُرنا نطالب بالحرية، لماذا تضييع الوقت بدل إجراء انتخابات نزيهة، وفليحكم من يفز بالانتخابات. يسبق ذلك إلغاء دور الأجهزة الأمنية المتسلّطة. وفي خضمّ الحديث السياسي، يتطرق هؤلاء إلى مجريات المعارك. فيستنكرون الهجوم على كتائب الدفاع الجوي، معتبرين ذلك بمثابة «خيانة لسوريا». ويدعّمون وجهة نظرهم بأنّ مسلّحي المعارضة لا يمتلكون طائرات قد يستهدفها السلاح الجوي، إنما مهمتها إسقاط أيّ طائرة معادية. وبالتالي فإن أكثر المتضررين من كتائب الدفاع الجوي هي إسرائيل.
في المحصّلة، يستعيد بعض هؤلاء المعارضين مشروع إنشاء جبهة كبرى تضمّ معارضة حقيقية وازنة، ذات تمثيل شعبي. على نسق الائتلاف الوطني شكلاً، باستثناء أنّ هذه الجبهة تستمدّ قوّتها من الواقع الحقيقي. ويرى هؤلاء أنّ سوريا بحاجة ماسة إليها، لكن الأسباب التي تحول دون ذلك تبقى مجهولة.