بعد خمس سنوات من الحرب على سوريا، انقلب المشهد الميداني في الداخل السوري، أي مدينتي حمص وحماه وريفيهما انقلاباً جذريّاً. فما كان مقدّراً لمحافظة حمص بسيطرة جماعات المعارضة المسلّحة عليها، أن تقسم سوريا إلى نصفين، وتعزل دمشق عن الساحل السوري وحلب، وتفتح الطريق من الغرب العراقي والشرق السوري نحو مدينة طرابلس اللبنانية وساحل البحر المتوسّط، تبدّل بعد معارك طويلة وضارية لمصلحة الجيش السوري. فتحوّل القوس الجغرافي الممتدّ من ريف دمشق الشمالي وريف حمص الجنوبي إلى ريف حماه الشمالي، منطلقاً ثابتاً لعمليات التحرير التي يخوضها الجيش نحو مدينة حلب، انطلاقاً من أرياف حماه، والرّقة في الشرق انطلاقاً من أرياف حمص.

ولعلّ أكثر المعارك استراتيجية في الحرب، هي تلك التي خاضتها القوات السورية مدعومة بحزب الله في أيار 2013 للسيطرة على مدينة القصير (جنوب حمص)، المتاخمة لمنطقة الهرمل اللبنانية، ثم الشريط الحدودي مع شمال لبنان، الذي بدأت منه باكراً عمليات تهريب السلاح والمسلحين إلى سوريا بمساعدة أطراف لبنانية ودولية.

نية أميركية لفتح طريق لـ«داعش» للانتقال من الموصل إلى الرقة

«السجال» الحربي بين الجيش والمجموعات الإرهابية في أكثر من منطقة في ريفي حمص وحماه، ولا سيّما «تنظيم القاعدة في بلاد الشام ـــ جبهة النصرة» وفصائل إسلامية أخرى، ولاحقاً تنظيم «داعش»، تبَدَّل كثيراً لناحية السيطرة والانتشار بين الجيش والإرهابيين. إلّا أن الربع الأخير من العام الماضي، بدا حاسماً لجهة استعادة الجيش زمام المبادرة في المنطقة، مع اكتمال السيطرة على مدينة حمص وطرد المجموعات المسلّحة منها، وتطهير غالبية جبال القلمون الوعرة من «داعش» و«النصرة» وإغلاق الحدود اللبنانية أمام حركة السلاح والمسلحين، وصولاً إلى استكمال العمليات في ريف حماه الجنوبي والغربي والشرقي، والعمليات المستمرة في أرياف حمص في تلبيسة والرستن، وصولاً إلى القريتين في الجنوب الشرقي باتجاه مدينة تدمر.
وما قاله الرئيس السوري بشّار الأسد في خطابه قبل يومين، عن أن الدول الداعمة للإرهابيين، وجّهت «داعش» نحو الداخل السوري بعد الانتخابات الرئاسية السورية في أيار 2014، يعكس بحسب مصادر سياسية «مدى أهمية الداخل من الناحية العسكرية الاستراتيجية في رسم معالم المرحلة المقبلة في سوريا ولبنان والإقليم، مع الانخراط العسكري الروسي، ومستقبل الصراع على الموارد الطبيعية في شرق المتوسط».

عمليات متوازية للجيش

ميدانياً، أطلق الجيش في الآونة الأخيرة سلسلة عمليات في أرياف حمص، هدفها فرض السيطرة على كامل الجيوب التي تحتلها المجموعات الإرهابية، والتي تقدّر بحسب مصادر عسكرية بأكثر من 27 تنظيماً تقودها «النصرة»، في نصف المسافة الممتدّة من حمص شمالاً باتجاه حماه، في خطّ طولي يقارب 40 كلم. وتسيطر الجماعات المسلّحة على نحو نصف هذه المسافة، قاطعة الطريق الدولي بين المدينتين، الذي يستعاض عنه بطريق حمص ـــ السلمية (جنوب غرب حماه) ــ حماه، وهو الطريق نفسه الذي يربط دمشق بحلب. وتقبع غرف عمليات المسلّحين الرئيسية في بلدتي الرستن وتلبيسة (شمال حمص)، بالإضافة إلى بعض الجيوب في غرب طريق حمص ــ حماه، كقرى أم شرشوح والثورة والغجر وعز الدين وعين حسين وحربنفسه، ومنطقة سهل الحولة بقراها السبع (كفرلاها، تلدو، عقرب...)، ويعتبر سهل الحولة الواصل ريفي حمص وحماه الغربيين، الامتداد الطبيعي لسهل الرستن باتجاه الشمال.
قبل نحو شهر، بدأ الجيش عملية عسكرية إلى الغرب من السلمية وشرق الرستن، أدت المعركة إلى السيطرة على نحو 10 قرى ومزارع. وبالتوازي، انطلقت عملية عسكرية في شمال غرب الرستن باتجاه المحطة الحرارية، أدت إلى السيطرة على بلدة جرجيسة، فيما تستمر العمليات باتجاه بلدة حربنفسه في ريف حماه. والهدف من العمليتين تضييق الخناق على الرستن وقطع طريق المسلّحين نحو ريف حماه الجنوبي.
وبحسب مصادر معنية، فإن «مساعي المصالحة في الرستن وتلبيسة واعدة»، خصوصاً أن ممثّلين عن الدولة السورية يلتقون وجهاء من البلدتين بشكل مستمر، وأن الاتجاه العام لدى الجيش و«النصائح الروسية»، هو لاستعادة البلدتين بأي شكل، إذا تعذّرت جهود المصالحة. ومن شمال غرب حمص، إلى شرق حمص وحماه، حيث تعدّ القرى الواقعة على الكتف الشرقي لناحية جب الجراح، مؤيّدة للدولة السورية، ابتداءً من هبوب الهوا وعنق الريح (شرح جب الجراح، منطقة المخرّم)، فيما تسيطر الجماعات الإرهابية، ولا سيّما «داعش» على المناطق الشرقية، بحيث يدير التنظيم غرفة عملياته الرئيسية في منطقة «عقيربات»، شرق حماه، وصولاً إلى جنوب شرق حمص في القريتين. واستطاع الجيش تأمين مدينة الفرقلس (35 كلم شرق جنوب حمص) إلى حدٍّ كبير من هجمات «داعش»، وهي تعدّ بوابة الوصول إلى مطار «التيفور» وطريق التيفور ــ تدمر.

انطلاق عملية القريتين

أما على محور القريتين أقصى جنوب شرق حمص وصولاً إلى منطقة القلمون الشرقي، فأطلق الجيش السوري قبل يومين عمليّة عسكرية لاستعادة البلدة التي سيطر عليها «داعش» في آب الماضي، مع حشد مدفعي وصاروخي كبير في المنطقة الممتدة من بلدتي صدد ومهين إلى القريتين، ممهّداً للهجوم البرّي بالسيطرة على مجموعة من التلال الحاكمة. إلّا أن التنظيم الإرهابي يقوم بسلسلة إجراءات لتفادي سلاح الجوي السوري والروسي، تشمل التوقّف عن استخدام القوافل الآلية في الجغرافيا المكشوفة، والاستعاضة عنها بإرسال مجموعات صغيرة من المشاة لا تزيد على عشرة أفراد، تتسلل عبر مسارات جبلية وعرة، لاستهداف النقاط المتقدمة للجيش في القلمون الشرقي. ويخوض الجيش مع «داعش» معارك «صامتة» في محيط اللواء 128، وهي منطقة استراتيجية تحوي عدداً من مخازن الأسلحة والوقود والصواريخ إضافة إلى مطار الناصرية الحربي. وعلى ما تقول مصادر متابعة للجبهة، فإن «داعش» يستهدف مواقع الجيش بصواريخ «تاو» أميركية الصنع غنمها من إرهابيي «النصرة»، وكذلك صاروخ «السهم الأحمر» الصيني، وهو نسخة صينية تجميع بين تصميمي صاروخي «تاو» و«ميلان» الفرنسي، والذي وصل إلى أيدي المعارضة السورية في عام 2013، من مخازن الجيش السوداني وبأموالٍ قطرية، بحسب ما كشفته الصحافة البريطانية خريف عام 2014.
أمّا في ريف حلب الشمالي الممتدّ نحو ريف إدلب الجنوبي وسهل الغاب، فتقول مصادر عسكرية معنية، إن الدعم الذي تلقّته المجموعات المرتبطة بتركيا خلال محاولات الجيش للتقدم في الغاب للسيطرة على كفرنبودة وقلعة المضيق انطلاقاً من محيط مدينة السقيلبية قبل أكثر من ثلاثة أشهر، دفعت القوات السورية إلى «استكمال السيطرة على كامل ريف اللاذقية الشمالي (إلى الغرب من سهل الغاب) وفصل حلب عن الحدود التركية قبل إكمال العمليات نحو الغاب».

الرّقة بعد تطويق حلب؟

منذ اللحظة الأولى للانخراط الروسي في سوريا، وضعت القيادة العسكرية السورية والروسية نصب أعينها استعادة مدينة الرّقة، كهدف استراتيجي ــ سياسي ــ إعلامي، وذلك لكونها من ناحية أولى «عاصمة» تنظيم «داعش»، وملتقى الإرهابيين القادمين من أوروبا ووسط وشرق آسيا – وهذا ما لا تتمتع به الموصل نفسها، ومن ناحية أخرى تمثل استعادة الرقة، الواقعة على الضفة الغربية لنهر الفرات، خطوة ضرورية للقضاء على خطر التقسيم. يشير سير المعارك الحالية في كلّ من سوريا والعراق، في ظلّ الدور الروسي وعمليات «التحالف الدولي» الذي تقوده الولايات المتحّدة الأميركية، إلى ما يشبه السباق الميداني «العلني» للسيطرة على مدينة الرّقة. إلّا أنه بحسب أكثر من مصدر سوري عسكري وسياسي، فإن «الأولوية الأميركية الآن لمعركة الموصل، وهناك حديث عن فتح طريق لإرهابيي داعش للانتقال من الموصل إلى الرقة». تبدو معركة الرقة مؤجلةً أميركياً لعدم وجود قوات قادرة على تنفيذ المهمة، فحتى «قوات سوريا الديمقراطية» التي استولت في الأسبوع الأخير من العام الماضي على سد تشرين وعبرت نهر الفرات غرباً، تلقت أوامر أميركية بالتوقف بشكل مفاجئ. وبعد عدة أسابيع قام الأميركيون بسحب القوات الكردية من سد تشرين واستبدلوها بقوات «محلية» تابعة لتنظيم «جند الحرمين» الذي يقوده المدعو إبراهيم البناوي. وكذلك انسحبت القوات بطلب أميركي من شرق السّد، وتمركز مكانها «لواء ثوار الرقة» ذي الغالبية العربية، في ما بدا أنه رسالة طمأنة إلى تركيا، ولهذا من المستبعد أن توكل إلى هذه القوات مهمات تقدم جديدة نحو الرقة.
أمّا في الجهة المقابلة، وبينما يقوم الجيش السوري وحلفاؤه في محاولة لتطويق مدينة حلب وفصلها عن الحدود التركية، تعمل القوات السورية على توسيع طوق الأمان حول طريق أثريا ـــ حلب إلى الشمال، وطريق أثريا ــ زاكية نحو الشرق، وهي أقرب البلدات إلى مدينة الطبقة في الرقة، وتربط محافظات حمص ــ حماه ــ حلب ــ الرّقة ــ دير الزور.
وتقول مصادر عسكرية في أثريا إن «القوات السورية تقوم الآن بتوسيع طوق الحماية على خط أثريا، لقطع خطوط إمداد داعش نحو الريف الشرقي لحلب، واستكمال تقدّم القوات في محيط المحطة الحرارية». وتتابع المصادر أنه «حال اكتمال طوق حلب، من المتوقّع أن تبدأ القوات السورية بالزحف نحو مدينة الرّقة»، إلّا أن «الأمر يتوقّف على القرار السياسي، وعلى سرعة تقدّم القوات في الريف الحلبي نحو جرابلس».
وتقلّل مصادر سورية أخرى من قدرة الأميركيين الآن على القيام بعملية عسكرية على الرّقة، «حتى في ظلّ ما يحكى عن تدخل برّي تركي وسعودي». وبحسب المصادر، إن «مسألة استعادة الرّقة هي هدف أساسي للجيش السوري في المدى المنظور وهناك قرار استراتيجي بالوصول إليها قبل الأميركيين، لكنّ الأمور ليست بهذه السهولة». إلا أنّ من المتوقع أن قوات الجيش ستتابع تقدمها باتجاه الرقة، فحتى إن لم تكن عملية مدينة الرقة وشيكة، إلا أن تقدم قوات الجيش في هذا المحور ضروري لتشتيت مقاتلي تنظيم «داعش» ومنعهم من الحشد للقيام بهجمات مضادة على المواقع التي حررها الجيش السوري شرق مدينة حلب خلال الأشهر القليلة الماضية.