في خضم الحديث عن "تغييرات وزارية جذرية"، برزت أخيراً قضايا فساد اتهم فيها مسؤولون حكوميون، وجرى بشكل واضح الربط بين وعود كان قد أطلقها رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي وما أثارته، خلال اليومين الماضيين، لجنة النزاهة في البرلمان وهيئة النزاهة من ملفات واسعة.

وأعلنت هيئة النزاهة، أمس، إحالة أربعة مسؤولين كبار إلى القضاء بتهمة "الكسب غير المشروع" و"الاستغلال الوظيفي"، وهم كل من نائبي رئيس الوزراء السابقين بهاء الأعرجي وصالح المطلك ومدير مكتب القائد العام السابق فاروق الأعرجي وأمين بغداد السابق نعيم عبعوب. وأوضحت الهيئة، في بيان، أن "المرحلة الأولى من ملف تضخم أموال المسؤولين انتهت".
وهذه هي المرة الأولى التي تتم فيها إحالة مسؤولين بارزين إلى القضاء بتهم فساد، ما دفع كثيرين إلى التكهن بأن هناك إمكانية لكسر طوق المحاصصة السياسية، الذي تسبب بعرقلة فتح ملفات فساد كثيرة. وفي اعتقاد مختصين في الشأن العراقي أن فشل تنفيذ حزمة الإصلاحات التي أعلنت عنها الحكومة والبرلمان، الصيف الماضي، يعود إلى الفشل في مواجهة قضايا فساد كبيرة ونجاح نظام المحاصصة في مواجهة تغييرات كان يفترض أن يقوم بها رئيس الحكومة، استجابة لدعوات المرجعية الدينية في النجف، وتظاهرات شعبية شهدتها بغداد في تموز الماضي.
وقال المحلل السياسي عمار المالكي إن ملاحقة وإنجاز قضايا الفساد الكبيرة لا يمكن أن يتما من دون أن يضطلع البرلمان بدوره الرقابي، وهو أمر معطل بسبب التوافقات السياسية. وأضاف المالكي لـ"الأخبار" أن "السر وراء فشل حزمة الإصلاحات الأولى وسخط المرجعية في النجف هو عدم التقدم في ملف الفساد، بالرغم من أن الجميع يعرف أن هذا الملف أساس أي إصلاح"، مشيراً إلى أن "الخدمات التي يحتجّ الشارع لإتمامها وعدم الاستقرار الأمني والصراع السياسي أمور تعود إلى استشراء الفساد".
وكان العبادي قد أعلن أن العام الحالي سيكون عام القضاء على الفساد، كما فُسر خطابه الذي دعا فيه القوى السياسية إلى التعاون في تشكيل حكومة من التكنوقراط على أنه اعتراف ضمني بأن الإصلاح لا يمكن أن يتم من دون أن تتخلى تلك القوى عن مناصب رفيعة حصلت عليها في الحكومة، بفعل نظام التوافق وتقاسم السلطة المتبع عرفاً في العراق بعد عام 2003. لكن النائب عن كتلة "بدر" وعضو لجنة النزاهة النيابية محمد كون رأى أنه ليس هناك أي علاقة بين دعوة العبادي الأخيرة وما أعلنته هيئة النزاهة ولجنتها في البرلمان. وقال كون لـ"الأخبار" إن "تغيير الوزارات لا يتصل بالحراك على قضايا الفساد، لأن الأمرين مختلفان حيث إن ما جرى الإعلان عنه، أخيراً، بدأ العمل به منذ وقت طويل". وأوضح أن "لجنة النزاهة شكلت لجاناً فرعية تقوم بالتواصل مع الجهات الرقابية لملاحقة متهمين بقضايا فساد"، مشيراً إلى أن "عملية إعادة الأموال المهربة مستمرة، ولم يجر إبرازها في الإعلام كونه عملاً ذا طابع سري وخاص".
وكان رئيس لجنة النزاهة البرلمانية طلال الزوبعي قد تحدث عن أرقام كبيرة تتعلق بقضايا فساد عالقة منذ سنوات. وقال إنه "تمّ إصدار أوامر قبض بحق 15 وزيراً من الحكومة السابقة و157 مديراً عاماً"، مؤكداً أن "أكثر من 630 ملف فساد أحالتها لجنة النزاهة إلى الادعاء العام وهيئة النزاهة".
ويأتي ذلك بعد يومين من الإعلان عن تقرير رقابي دولي كشف عن وجود خلل في مشاريع وزارات الثقافة والتربية والتعليم، وتلكؤ وهدر للمال العام يقدر بمليارات الدنانير.
واضطرت الحكومة العراقية، بعد تراجع أسعار النفط وتكاليف الحرب على "داعش"، للسعي إلى إجراء ترشيق في الإنفاق وسط ضغوط تتعرض لها من أجل حسم قضايا فساد وإعادة أموال مهربة إلى الخارج تقدر بمليارات الدولارات، فيما تعود قضايا الفساد المالي في العراق إلى حقبة "الحاكم المدني" الأميركي بول بريمر الذي تولى السلطة بعد إطاحة نظام الرئيس الأسبق صدام حسين، ذلك أنه لا يزال ملف اختفاء 17 مليار دولار من أموال "صندوق إعادة إعمار العراق" مفتوحاً، بعد إنشائه منذ ذلك الوقت.