القاهرة | بعد سيل المبادرات التي شهدتها مصر خلال الأيام الماضية، بدت أمس مؤسسة الأزهر قادرة على جمع الأضداد تحت سقف واحد للبحث عن حل للأزمة السياسية، التي تترجم اشتباكات وأعمال عنف في الشارع، فضلاً عن مخاوف من حدوث اقتتال بين مجموعات شعبية.

هذه المخاوف مهدت الطريق أمام مبادرة الأزهر، التي شاركت في إعدادها مجموعة من الشباب، الذين كان لهم دور بارز في ثورة 25 يناير، ووقّعتها معظم القوى السياسية وعدد من رموز المعارضة وقادة جبهة الإنقاذ. ومن بينهم محمد البرادعي مؤسس حزب الدستور، حمدين صباحي مؤسس التيار الشعبي، عمرو موسى رئيس حزب المؤتمر، السيد البدوي رئيس حزب الوفد الجديد، إضافة إلى عبد المنعم أبو الفتوح رئيس حزب مصر القوية، سعد الكتاتني رئيس حزب الحرية والعدالة، ويونس مخيون رئيس حزب النور السلفي، وممثلون عن الكنائس المصرية وبعض مشايخ الدعوة السلفية، وعدد من شباب الحركات الثورية، منهم أحمد ماهر، المنسق العام لحركة 6 إبريل، ووائل غنيم، «أدمن» مجموعة «كلنا خالد سعيد» على موقع «فايسبوك».
وركزت المبادرة التي تضمنت عشرة بنود على نحو رئيسي على نبذ العنف ورفع الغطاء السياسي عنه، بعدما أكدت «على حرمة الدماء والممتلكات الوطنية العامة والخاصة، والتفرقة الحاسمة بين العمل السياسي والعمل التخريبي»، كما خلصت إلى «التأكيد على واجب الدولة ومؤسساتها الأمنية في حماية أمن المواطنين وسلامتهم وصيانة حقوقهم وحرياتهم الدستورية، والحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة، وضرورة أن يجري ذلك في إطار احترام القانون وحقوق الإنسان دونَ تجاوز». كذلك نصت المبادرة على ضرورة «نبذ العنف بكل صوره وأشكاله، وإدانته الصريحة القاطعة، وتجريمه وطنياً، وتحريمه دينياً». وطالبت المبادرة الموقعين بإدانة التحريض على العنف، وبعدم تبريره، أو الترويج له، أو الدفاع عنه، مشددة على أهمية التزام القوى السياسية التي شاركت في الاجتماع بالوسائل السياسية السلمية في العمل الوطني العام، مؤكدةً أن حماية كيان الدولة المصرية مسؤولية جميع الأطراف حكومة وشعباً ومعارضة.
وعقب الاجتماع، أوضح وائل غنيم في مؤتمر صحافي أن الهدف «ليس هدفاً سياسياً»، لافتاً إلى أن «المئات يموتون وهذا هو السبب الرئيسي لدعوة الشباب إلى جمع كافة القوى السياسية ومطالبة السلطة باحترام الدماء».
بدوره، أكد البرادعي أن هناك اتفاقاً بين كافة القوى السياسية على أنه مهما كانت خلافاتهم فلا بد من إدانة العنف بكافة أشكاله وعقد مصالحة وطنية والنهوض بمصر اجتماعياً وسياسياً في خطوات محددة. وكشف عن تأسيس لجنة للحوار الوطني ببنود وضوابط محددة، مؤكداً أن كل الأطياف ستبذل طاقتها لبناء الثقة بين كافة الأطراف السياسية.
إلا أن ثنايا الواقع المصري أطلت برأسها مرة أخرى، ليعلن الشباب الثوري، ومعظمهم موجودون على الأرض، رفضهم المبادرة، مشيرين إلى أن القصاص للشهداء، ومحاسبة المتورطين في قتل الشباب، هما المدخل الوحيد للبدء بأي حوار، متهمين السياسيين بالمتاجرة بدمائهم.
وعكس هذه الآراء الباحث السياسي إبراهيم الهضيبي، بقوله على «فايسبوك» «ماذا يفيد نبذ الساسة للعنف إذا كان هؤلاء الساسة (جميعاً، بحكامهم ومعارضيهم) منبوذين ممن يلجأون إلى العنف، بعدما شعروا بالخذلان من المشهد السياسي برمته».
وجاءت مبادرة الأزهر كمحاولة لجمع شتات القوى السياسية بعد ساعات من المبادرة التي أطلقها البرادعي بضرورة إجراء حوار عاجل بين القوى السياسية المعارضة والرئاسة إلى جانب الأحزاب الإسلامية بحضور وزيري الدفاع والداخلية. وهي الدعوة التي رحبت بها قيادات التيار الإسلامي، سواء في حزب الحرية والعدالة «الإخواني»، أو النور «السلفي»، بينما خرجت أصوات من جبهة الإنقاذ تؤكد على أن مبادرة البرادعي هي دعوة شخصية لا تعبر عن جبهة الإنقاذ. ولاقت مبادرة البرادعي اعتراضاً من الناشطين الموجودين في ميدان التحرير، مؤكدين أن جبهة الإنقاذ لا تعبر عنهم. وشددوا على التمسك بعدم إجراء أي حوار مع الرئاسة.
وكان الوسط السياسي في مصر قد شُغل خلال الأيام القليلة الماضية بالمبادرات التي خرجت بكثرة، ومن أهمها على المستوى السياسي اللقاء الذي جمع قادة حزب النور السلفي بقادة في جبهة الإنقاذ الوطني، وجرى الاتفاق فيه على تأليف حكومة وحدة وطنية، وعلى لجنة يتفق عليها لتعديل مواد الدستور محل الخلاف، كذلك جرى التوافق على حيادية واستقلالية مؤسسات الدولة، وعلى تعيين نائب عام جديد، فضلاً عن تشكيل لجنة تحقيق قضائية في الأحداث التي شهدتها الأيام الأخيرة، في ظل الاقتناع بأن فصيلاً واحداً لا يستطيع أن يقود البلاد منفرداً.
لكن هذا اللقاء الذي جمع النقيضين واجهه غضب من القواعد في الجانبين. ففي داخل جبهة الانقاذ، أعلن أكثر من عضو اعتراضه على اللقاء بقيادات حزب النور، بينما تناقل عدد من وسائل الإعلام أمس أنباء عن استقالة 150 من أعضاء النور احتجاجاً على اللقاء. وهو ما نفاه الحزب. وطالب يونس مخيون، رئيس حزب النور، الرئيس محمد مرسي بأن يستفيد من هذه المبادرة ويقوم بتفعيلها «حيث رحبت جميع الأحزاب بها، بما فيهم جبهة الإنقاذ، حقناً للدماء».
ويبقى أن كل هذه المبادرات لم تنجح في سحب فتيل التوتر من الشارع. ويستعد شباب القوى الثورية، بمن فيهم جبهة الإنقاذ، للخروج اليوم في مسيرات إسقاط النظام، رافضين الحوار مع السلطة، التي يؤكدون أنها فقدت شرعيتها بأحداث القتل التي استمرت أياماً سواء في ميدان التحرير أو في مدن القناة الإسماعيلة والسويس وبورسعيد.