أوان الرمّان في فلسطين


ولدت قرية فلسطينية.
القرية أصبح عمرها يومان.
كان اسمها «باب الشمس»، لكنهم اقتلعوها ذات ليل، فولدت لها أخت حملت اسم «باب الكرامة»،... قتلوها أيضاً... ولكن هل انتهى الأمر؟ أبداً... فقد ولدت فكرة جديدة في عقل الفلسطينيين ومخيلتهم الجماعية.
ففي 11 كانون الثاني2013، أعلنت مجموعة من الفلسطينيات والفلسطينيين إنشاء قرية باب الشمس على الأرض المسمّاة «إي 1» في القدس الشرقية «بقرار من الشعب الفلسطيني، بلا تصاريح الاحتلال، وبلا إذن من أحد، لأنها أرضنا ومن حقنا إعمارها» هكذا قال البيان. بدأت بنصب 25 خيمة وبنحو 250
شخصاً.
لعبوا لعبة الإسرائيليين التي يعرفونها جيداً. أعلنوا أنهم «سيحتلّون» أرضاً وأعطوا إشارة للتجمّع في مكان معيّن ثم توجّهوا إلى مكان مختلف، وجرّبت الشرطة أن تمنع السيارات فتوجّهوا على الأقدام، ثم حاولت الشرطة إخلاءهم بأمر من المحكمة، فحصلوا على تعليق للقرار من المحكمة... ثم لم يكن بد من إخلائهم في ليل معتم، فانبثقوا من مكان آخر ليعلنوا عن قرية الكرامة... إلخ.
انتهى وقت الدعم المعنوي والوقفات التشجيعية. يبدو أن وقت العمل قد حان. أوان الرمّان هو، في فلسطين. حان منذ زمن، لم ننتبه له، لكننا الآن نستفيق وقد بدت النهاية قريبة جميلة ملوّنة.
«أوقفنا ردّ الفعل، وبدأ الفعل» يقول أحد سكان «باب الشمس». اختفى الرمز، راح مع الشك والخيبة والتساؤل والمفاوضات والبحث عن «السلام». وجاء وقت نفعل فيه، فيركض الإسرائيليون يلمّون جثثهم وبقايا مستعمرات. لا يفهمون من هول الصدمة ما جرى وكيف يكون الرد. جاء الوقت الذي أصبح فيه للفلسطيني أن يقول للشيء « كُن فيكون»، كما يقول أحد أصدقائي من عيتا الشعب، تلك التي تعرف الإسرائيلي كما يعرفونه هم، في الداخل الفلسطيني. سنقول للمكان كن فيكون، وسنقول لفلسطين أن تُخلق من جديد.
«باب الشمس» ولو قتلت، فهي أصبحت حقيقة، وما زالت السلطات الإسرائيلية تسمّيها «آوتبوست» (outpost) أو قاعدة أمامية، أي إنها تراها قاعدة عسكرية. وجودها تهديد عسكري هو. وخيامها تهديد لكيان بأكمله.
لكنّها أرض فلسطينية، كلنا نعلم ذلك، من دون أوراق أو سندات ملكية أو إثباتات. والقرية هذه تفعل ما نعلمه، تعيد تصويب التاريخ، تُمركز الوسط في مكانه، في القدس، في عين الشمس.
وكلّنا نعلم بأن هذه هي الطريق الأقصر والأصعب والأجمل على حدّ سواء. نعلم بأن «باب الشمس»، والكرامة، هما فلسطين المقبلة، بأن هذا الفعل، دون إذن ودون تصريح ودون موافقات ودون تشاورات مع سلطات أو مسؤولين، هو الحل. وبأنه لهذا النوع من الاحتلال، هناك هذا الحل من استرجاع
الأراضي.
في اليوم الذي نشأت فيه باب الشمس، أولى القرى، كنت أكتب ولا أستطيع أن ألحق بالتطورات التي تحصل في القرية. مطاعم تقدّم الأكل مجاناً لأكثر من 250 شخصاً، شخص يُظهر «طابو» من العهد العثماني يُثبت ملكيته للأرض، مؤن تصل إلى المكان من كل حدب وصوب، الشرطة الإسرائيلية تطوّق المكان والمزيد من الناس يدخلون القرية رغماً عن المحتل: عبر التلال والجبال، وكلام عن أوامر مباشرة من نتنياهو لإخلاء القرية، المنطقة أُعلنت منطقة عسكرية...
«أكيد سيفعلون ذلك»... على الأكيد سيموت الإسرائيليون خوفاً من هذه الخيمات العشرين الضعيفة.
وتتخيّلين الإسرائيليين، شرطة وجيشاً ومواطنين ومسؤولين، ينظرون بعضهم إلى بعض، ضائعين محتارين، يسألون بعضهم بهمس: «ماذا نفعل؟»... فباب الشمس بكل وضوح، فعلت المستحيل، غير المتوقّع، وفتحت للشمس باباً من القدس... فمتى نشأت هذه القرية، ستنشأ الآلاف غيرها، وسكّانها، منذ اليوم، يعدوننا بـ«أم سعد»، قرية فلسطينية أخرى ولدت بعد «باب الشمس»... لأن المقاومة ولّادة.
حتى وإن أزالها الجيش في الليل، حتى ولو أطبق عليها الجنود في العتم، باب الشمس ولدت. ثم ولدت من بعدها باب الكرامة، والقصة كلّها في خلق «أبواب».
هي فلسطين التي تحيا في قصصنا قد حوّلت القصة اليوم إلى تراب وناس.
كقصّة هي، أو هي بدأت قصة، لتنتهي بنا نعيشها، نلوّنها، تلبسها أجسادنا نوراً ونبضاً وألم. قصصنا «غير»، قصصنا تحيا بنا.
غداً، من منّا سيكتب شعراً لباب الشمس؟ من سيرسم لحظات هيامه بها؟ من سيكتب فيها أوّل رواية؟ من يضع فيها قليلاً من الحَب لتزهر؟ من سيأكل أوّل رغيف خبز من قمح أنبتته باب الكرامة؟ من ستنجب أوّل طفل على أبواب فلسطين؟
جنى نخال