ليس بإمكان مصر ألا تفكّر في سوريا. كما ليس بإمكان سوريا ألا تنزح إلى مصر. تاريخ ما بينهما أكبر منهما. جمعهما غزاتهما ودينهما. العثماني هنا والمماليك هنا والعباسي هنا وهنا الصليبي. البريطاني هنا والفرنسي، الفاطمي هنا والمتنبي هنا. تاريخ واحد بجناحين. تحطّ الطائرة على وقع صلوات الحلبيات والدمشقيات. طائرة لبنان المصرية مليئة بالسوريين. بعضهم أتوا يفتحون مشروعاً تجارياً بأموالهم الباقية. بعضهم يزور فرعاً من العائلة.


وبعضهم بات يعيش هنا. «الله أكبر إنها القاهرة»، تصرخ الأم، وتنادي على طفلتها، تعالي لتري القاهرة. يستفز المنظر. يستفز، أن تعجبهم القاهرة، وحلب تنزف. وما الذي يميّز القاهرة؟ أكثر المدن تلوّثاً. أكثر المجتمعات كبتاً جنسياً. أكثر الشعوب محبة بالإكرامية. كيف تستعيضون عن سوريا بمصر؟

المذهبيّة السورية المصرية

منذ عامين كان الشارع المصري قد بدأ يكره حزب الله، لكنه لم يكن يتكلم عن الشيعة والعلويين. لا يمكن تفرقة المرض هذا. هل التقطوا العدوى من نزوحنا إلى هنا أم من إعلامنا؟ أم أننا معهم نلتقط الوباء من الفضائيات التكفيرية الخليجية؟ يصرخ أحمد وهو ليس متشدداً ولا سلفياً ولا إخوانياً، يصرخ بعيون مستديرة: «لا لا لا، أنا رأيتهم هؤلاء ليسوا مثلنا، الشيعة ليسوا مثلنا ولا يصلّون مثلنا».
يصرخ أحمد المصري عن الشيعة، وفي وسط مدينته مقام الإمام الحسين. وفي وسط مدينته أرقى العمارة الفاطمية وأعتقها. وفي قلب القاهرة، حيث قهر الفاطميون العباسيين. الدين هنا لم يعد أفيوناً. بات مهلوساً أفقد الناس بصيرتهم وجزءاً من تاريخهم.
المذهبية هذه لا تقف عند حدود مواطن مصري يمشي «على البركة» كارهاً الشيعة لأنهم «مختلفون». بل إن موظف الخارجية المصرية لا يسلم من هذا. يجلس في مقعده متكلماً عن «الشيعة في لبنان»، وعن أن حزب الله هو الذي أيقظ الفتنة هذه لأنه شكر سوريا يوم 8 آذار 2005 بينما كانت دماء رفيق الحريري تسرح على شط بيروت.
المصري لا يتدخل في شؤون السوري وحسب، بل يضع إسقاطاته وأحكامه عليها. يظن أنه أولى منه بالمعروف، وأنه يدرك مصيبته أكثر منه. «ربنا ياخدو» يرفع يديه بالدعاء على الرئيس السوري بشار الأسد، معبّراً عن تضامنه مع الدم السوري. وفي الوقت نفسه تفتح مرافئه لبواخر السلاح الراحلة نحو طرابلس ومن طرابلس إلى حمص، وكأن السلاح ذاك لا يهدر دماً. تفتح مؤتمراته ومنتدياته لدعم النازحين السوريين، ويحضرها موظف عند الملك البحريني الذي بدوره يقتل شعبه المطالب بالحرية. ازدواجية المعايير سيدة الشخصية المصرية في الموضوع السوري.

الإيراني ومصر

في قلعة الجمهورية الإسلامية، مدينة «قم» المقدسة، يهمس الرأس الإيراني مبتسماً: لا مانع من أن نلتقي بالإخوان المصريين. لا مانع أن نختلف بشأن سوريا، ولكن يمكن أن نتفق على أن نختلف. ما تريده الجمهورية الإسلامية هو بناء علاقة، ولا مانع من أن تتباين وجهات النظر. وفي القاهرة، عبر مذياع سيارة الأجرة تعلن النشرة: زيارة الوفد الإيراني، التدخل الإيراني، السيادة المصرية. وفي الأروقة السياسية والدبلوماسية يدور النقاش: «الإيراني يتقرّب من مصر».
وفي مصر شخصيات إسلامية تنظر إلى الموضوع السنّي الشيعي بطريقة مختلفة. في مصر، نموذج لحكم إسلامي يحاكي نموذج الحكم الإسلامي الإيراني. لم يكن محمد مرسي ودوداً في زيارته لطهران، ولكن ذلك لم يعن للإيراني قطع الحبل مع مرسي. فالإيراني اليوم يضخّ ماله واهتمامه، كما إلى سوريا، إلى مصر. يريد أن يتعرّف إلى صوفيتها وسلفيتها وإخوانيتها وقبطيتها. الإيراني يدرك أن الإخواني قادر على قرص الأميركي أكثر من مبارك.
يحاول العقل الإيراني أن يلاعب السيادة الإسلامية المصرية. إيران فوّضت إلى مصر مشروع حل لسوريا. دفعت بها لعرض الحل. إيران سوف ترضى عن مصر سورياً، شرط قبولها مصرياً. سوف تسمع حقداً كبيراً على حزب الله في مصر. وكذلك على إيران. ولكن تحت الحقد هذا، سوف ترى أن مصر لم تركن إلى ناصية مستقرة، وأن اللعب الإقليمي يدور فيها، وأنها لم تنه كل مساوماتها بعد. وحين تقول للمصري الدبلوماسي إنك كنت في إيران، سوف يفتح أذنيه جيداً ويسأل: وماذا قالوا عنّا؟
هناك حلبة مشتركة اليوم، سلاحها إيراني وأوكسيجينها مصري، واسمها غزة. بعيداً عن الكلام الشارعي في مصر، اسأل أهل حماس وقادتها عن مصر وإيران، سوف يبتسمون. ففي هذا الملف، هم السلطان.

سينا الفلسطينية

إن كنت تكره سلام كامب ديفيد ومن بابه تحقد على المصريين، فلن يتغير شيء في بالك حين تأتي وتسألهم عن إسرائيل. الغالبية المصرية فخورة بإنجاز «ساداتها» الذي جلب بالسلم ما لم تجلبه الحرب: حصّل أراضي سيناء، يقولون. وما الذي حصّلته الحرب؟ ولماذا نحاربهم؟ من أجل الفلسطينيين؟ الآن الفلسطينيون سوف يأخذون منّا سينا. والإخوان يحبّونهم. الإخوان لا فرق بينهم وبين حماس، وربما يهبونهم سينا. من يدري؟
تلك مخاوف مصرية باتت معروفة ومحكية في كل مكان. شباب مصر ورجالها وعمالها وفلاحوها يتكلمون هكذا. من يُرد أن يزيد الغل على الإخوان من الساسة، يرفع هذا «البعبع» أيضاً. وفي مصر، سيناء تعني آلاف الشهداء من القوات المسلحة أيام الحرب، وحساسيتها عالية. رغم أن معظم من يتغنّون بسيناء لم تطأ أقدامهم أرض رفح، ليدركوا أن سيناء وغزة واحد.
قبل أن تصل إلى سيناء، وقبل أن تصل إلى «كوبري السلام» الذي بناه مبارك فوق قناة السويس ليصل مصر المصرية بمصر الفلسطينية، سوف تعرج بك السيارة إلى إحدى استراحات الإسماعيلية، وهناك، لن تدرك إن كنت في مصر أو في فلسطين. هناك، قبل «الجسر الذي يسمونه كوبري، تصل أيها المسافر إلى فلسطين».
كل مسافر في سينا فلسطيني. باتت مصر ما بعد مبارك أكثر ترحيباً بالفلسطينيين. ما بعد الإسماعيلية، والسويس والعريش، تصل السيارة إلى معبر رفح. لا يسمح لك المصري بأن تدخل من فلسطين إن كنت رجلاً في عمر معيّن. وكذلك، لا يسمح لك بدخول فلسطين إن كنت أجنبياً. مزاجية المعبر وظلمه فتحا في الأرض أنفاقاً.

ما لا تعرفونه عن غزة

قل غزة، وقل ما الصورة التي تأتي على ذهنك: حصار؟ حرب؟ فقر؟ موت؟ حماس؟ صور لمتضامنين؟ غزة ليست ندب صدور وقماط شهيد وحسب. غزة حياة تدور، سياسة دولية تتعانق على شاطئ مليء بالعشاق. غزة حيث تقف فلسطين على رؤوس الأصابع فوق حرير أصفر اسمه صحراء سيناء. غزة التي ترفع رايات قطر على مراكب صياديها وتخلّد قتلى الأسطول التركي على مينائها بتمثال. هل طلّقت إيران وتزوّجت من قطر؟ هل سافر أطباء غزة يساندون النزوح السوري عند الحدود التركية؟ هل تستقبل غزة نازحي المخيمات الفلسطينية من سوريا؟
سلطانة في السياسة باتت، وباحة للإعلام. كلهم يعملون في الصحافة. يقولون إن غزة لحركة حماس. طبعاً، لكن صاروخ فجر 5 خرج على سواعد الجهاد الإسلامي مستهدفاً سماء تل أبيب. في القتال لم تعد حماس وحدها. سرايا القدس هنا أيضاً. وكذلك، فلو كانت كل غزة حمساوية، لما حشدت ذكرى انطلاقة حركة فتح مليونية في ساحة السرايا منذ أسابيع. ثم إن هناك أغاني راب وناشطين يعارضون السلطة الحمساوية علناً، ويعتقلون لأجل ذلك. وثمة إرث يساري جبهاوي موجود ومنتشر. متناقضة كالفلسطيني. تغضب وتضحك. تتأسلم وتنفتح. أغاني في المقاهي وألوان في الملابس، وحفّ الشوارب قائم على أيّ حال.
الخوف على سوريا حاضر هنا أيضاً. وللعلم، قد تلتقي بأعداد من «الشبيحة» المدافعين عن النظام السوري هنا، أكثر مما قد تلتقي بهم في بيروت. أهل غزة يخافون على برنامج المقاومة المستهدف في سوريا. فرغم أن بعضهم يسافر ليدرّب الجيش الحر في إدلب ويموت هناك، بعضهم يدعو على الجيش الحر ويسأل الله أن يحمي الجيش العربي السوري.
أما الفقر، فليس سمة الكل. وفي غزة أحياء كالرمال مثلاً، تشبه في رقيّها حيّي المنارة والروشة البيروتيين. في غزة متاجر غالية وسيارات جميلة ومستثمرون جدد. خطة الحكومة الاقتصادية واضحة: من يُرد أن يستثمر، نحن نشاركه.
أهل غزة يدركون التباين في موقف حماس. ما يقوله عن سوريا مشعل وهنية، ليس بالضرورة ما يقوله محمود الزهار أو الجعبري. ثمة من لا يريد أن ينكث بالوعود والعلاقات الودّية مع إيران، وثمة من يدعو لسوريا بالخلاص من هذه الدوامة. ورغم معارضة بعض الغزاويين، لم يحاولوا أن يسقطوا نظامهم. كأنهم مستسلمون بسعادة لحكم حكومتهم.
لا تنسى غزة القديمة تاريخها. المسجد العمري والكنيسة البيزنطية. عمر المسيحية هنا ألف وستمئة عام، وبقيت حفنة 4 آلاف مسيحي تعيش ضمن غزة. أورثوذكسيّو غزة يسألون عن ميشال عون وسمير جعجع واللقاء الأورثوذكسي اللبناني، ويصرخون: كلنا مع بشار الأسد. في غزة التي تظنون أنها حمساوية، نبيذ وعرق وحشيشة كيف. في غزة يسار ويمين ومجتمع مدني. حماس هي السلطة، والمقاومة، والأمر الواقع، ولكن حماس ليست غزة. حين تبدأ الحرب، الكل يصلي لأن يحمي الله سواعد حماس، الرصاص يوحّدهم. لكن يمكن اعتبار غزة حمساوية بقدر ما يمكن اعتبار مصر إخوانية.




مصلحة الأنفاق

لكلمة نفق وقع حربي في نفوس الناس. النفق يعني تهريب. التهريب يعني سلاح. لكن لا. الأنفاق تحمل أكثر من سلاح ومقاومة. الأنفاق التي تملأ أرض رفح بجانبيها المصري والفلسطيني هي شريان يضخ الدم إلى قلب غزة، ويحوّلها شيئاً فشيئاً من قطاع فلسطيني دحر الجيش الإسرائيلي، إلى دويلة ناشئة تتأثر وتؤثر في محيطها.
الأنفاق باتت مئات، لا بل ألفاً ونيّفاً. منها ما هو مخصّص للأفراد، ومنها ما هو مخصص للسيارات، ومنها ما هو مخصص للسلاح ربما. الأنفاق باتت مصلحة رسمية حمساوية. عليها إدارات خاصة وتسعيرات خاصة، وتدرّ الكثير من الأموال. الأنفاق اختراع فلسطيني، يعيد سينا إلى شامها ويعيد غزة إلى مصرها.
الأنفاق تدرّ الملايين. الحصار الاقتصادي كسرته أنفاق رفح التي تدخل كل شيء، من الأسمنت وأدوات البناء إلى الدواء والمواد الغذائية.




رجل «حماس» في غزّة: الإخواني الإيراني



في غزة، حماس، زغردة المنطقة وحربها، قائد حمساوي قدم فلذتين من كبده وصهره شهداء، زار إيران مؤخراً. يعرف بأنه رجل حماس القوي. وأبرز «صقورها». في بيته مكتب وكراسيّ كثيرة. اجتماعات كبيرة تدور هنا. في منزل لا تنقطع عن هواتفه طهران ولا تترك شخصيته سنوات شبابه المصرية. إخواني عليه الضوء والبندقية. يحاكي الوحدة الإسلامية، وحريص وحزين على سوريا.
يشرح عضو المكتب السياسي في حركة «حماس»، الدكتور محمود الزهار، أن الغموض ليس في موقفهم من سوريا، بل من فهم الناس. يقول «من البدء نادينا بحل سياسي لا أمني. نحن ندرك أن تدخلنا في الشؤون الداخلية في كل بلد يؤدي في نهاية المطاف إلى الطرد. هذا ما حدث مع الفلسطينيين في الأردن في السبعينيات، وكذلك إبان الحرب العراقية الكويتية». ويضيف «نحن حركة مقاومة نطلب مساعدة من كل الناس، عرباً ومسلمين وبدون شروط. لسنا أداة من أدوات الصراع العربي». ويتابع «كل طاقتنا ستفرغ في الخارج إن شاركنا في الصراعات الداخلية. إيران لا تطلب منا في سوريا إلا الموقف المحايد».
وتعليقاً على سؤال حول وفد الأطباء الحمساويين الذي سافر على الحدود التركية السورية يقول: «الموقف المحايد لا يعني إلا أن نقدم خدمة إنسانية. هل مطلوب منا أن نكون جزءاً من الشارع السوري وندخل في حرب مع النظام السوري؟ لا، نحن حركتنا في فلسطين وكل وجهتنا هي القدس ولا يجب أن نصرف نظرنا عن هذا الهدف. مصلحتنا أن تبقى كل رصاصة عربية في فلسطين. نحن نشعر بالأسى والأسف لما يجري في سوريا والذي يحدث هو كارثة لبرنامج المقاومة».
يرى الزهار أن الحرب الأخيرة على غزة كرست ثوابت ثلاث. «أولاها أن إسرائيل لا يمكنها أن تجتاح غزة بعد اليوم. ثانيتها أن المواجهة الإسرائيلية المحتملة مع إيران صعبة ومستحيلة وأن السلاح الإيراني الصاروخي متقدم ومتطور. وأن العقيدة القتالية الإسرائيلية خسرت إحدى ثوابتها وباتت لا تتحكم بوقت العملية العسكرية وتستنزف بسرعة ولا تنتهي بشروطها بل بشروط الطرف الآخر».
أما الحديث عن هدنة سياسية طويلة، فيراه الزهار كلاماً غير مسؤول. «الحديث على المستوى السياسي هو أننا الآن أقنعنا الاحتلال بأن دخوله إلى غزة مستحيل. فكيف يمكننا أن نتحدث عن هدنة. نحن الآن نتحدث عن أولوية توحيد الصف الفلسطيني بالمصالحة».
شارع «حماس» وبكل صراحة، يتنفس الفتنة السنية الشيعية، ولكن الشارع نفسه يسمع أناشيد حزب الله وفرقة الولاية أثناء حربه. العقيدة القتالية تتشابه وإن اختلفت. مقاومة شعبية وإسلامية والبطن الداعم واحد. في حماس، من هم كالزهار، يشددون على الوحدة الإسلامية، فلا ينتقدون حزب الله، ولا يبتعدون عنه. وتقول مصادر مطّلعة إن الزهار استُقبل في إيران استقبال والد الشهيد عماد مغنية. وأن هيئات الجمهورية الإسلامية أكرمت زوجته والدة الشهيدين. الزهار في الأروقة، هو الرجل الإيراني. لكنه تعلم وارتبط بمصر كما معظم الغزاويين. وفي الأروقة كلام يدور عن إقصائه أو محاولة إقصائه بفعل القرب هذا. حرب سياسية تدور.
خلافات حماس أمر لا ينكره. ويستشهد بخلاف بين الصحابة أبي بكر وعمر بن الخطاب. بأية حال، يعكس الرجل صلة الترابط ويحكي عن مصر كابنها. ويستذكر إمام إخوانها المسلمين حسن البنا. وثم يعود ليخبر عن إيران والحديث الذي دار في طهران. يقول: أكد لنا الإيراني حرصه على المقاومة وحماس، واتفقنا على ضرورة حل للمشكلة السورية.
وعن العلاقة مع حزب الله، يقول «رؤيتنا لحزب الله ليست العداء، ولكن هناك إما توافق مصالح وإما اختلاف مصالح». ويضيف «نحن لا يجب أن يحكم علينا بما يقوله فرد أو اثنان أو مشاعر بعض الناس، يحكم علينا بسياستنا». يقول كل هذا، ولكن لا يبعث برسائل المودة إلى المقاومة اللبنانية. يحكي عنها كلام المصالح المشتركة. كأنهما لاعبان سياسيان.
ويشير الزهار إلى أن «من يعزز الفتنة: مجموعة من القادة الذين لا يؤمنون بالفكر الإسلامي، يعززها الإعلام الفاسد والغرب. كلها عوامل ضد الحضارة الإسلامية. ضد المشروع الإسلامي المعاصر». أما عن رأيه في ما يسمى «الربيع العربي»، فيقول «ليس اسمه ربيعاً عربياً، هذا قول مضلّل. إنه صحوة إسلامية».
في لقائه مع الصحافيين الغزاويين عقب الحرب وزيارته الإيرانية الأخيرة، أعلن الزهار أنه سوف يحاكم أبو مازن إن أتى إلى غزة. ولكن في جو غزة حديث حول المصالحة التي عقد لأجلها مؤتمر في القاهرة وبعدها في قطر ولم تنته بعد. ففي تلك المصالحة بنود خمسة وملفات خمسة. أولها تشكيل حكومة برئاسة أبو مازن. ثانيها أن يكون هناك انتخابات في الضفة والقدس والقطاع. ثالثها إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية في الضفة والقطاع وإعادة توحيد العقيدة القتالية، رابعها إصلاح منظمة التحرير بإشراك الإطار القيادي المؤقت المكون من الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية، بما فيها الجهاد الإسلامي وحماس للمرة الأولى. خامسها تفعيل لجان المصالحة الاجتماعية.
في الحديث الفلسطيني، يزأر أسد داخل الرجل. فهو يتهم آلة دحلان وآلة أبو مازن الإعلاميتين بالعمل على تشويه صورة الحركة وبإشاعة أن لها أصحاب «مليونيريات» بفعل استثمارها للأنفاق الحدودية مع مصر. وهو يقول إن الإسرائيلي لا يريد المصالحة لأن حالة مسلحة في جنين مثلاً قد تهدد بقطع شمال كيانهم الغاصب عن جنوبه. ويقوا إن التعاون الامني مع أبو مازن يفيد إسرائيل، بحسب ما يقول الزهار، فسيعطي إحداثيات عن أماكن وجود قيادات المقاومة، وبالتالي سوف يتعقبوننا ويقتلوننا.
بعد كلامه العنيف عن فتح، يسأل السامع: لماذا المصالحة إذاً؟ يرد الحمساوي العتيق: «لإعادة المواطنة لهؤلاء، لا يمكننا استئصالهم».
حديث حماس هذا يخفي خلفه تخوفاً من انتخابات تعقد وتمتحن الشارع الذي يزداد حراكاً. يقول الزهار: «بإمكانهم أن يعقدوا انتخابات ويزوّروها ويربحوها ويظنوا أننا نخرج من الباب الذي دخلنا منه. لكن الزمن تغير». يرجع في كرسيه، تلمع عينه يميناً إخوانياً: «الإخوان في مصر وتونس والمغرب وسوريا وكل مكان، نحن الآن أقوى».
غدي ...