القاهرة | في فيلم «المواطن مصري» وقف الفلاح المعدم ليعاين جثمان ولده المضرج بدمائه بعدما عاد إلى قريته من سيناء مسجى شهيداً من حرب تشرين عام 1973. كان الدمع ينهمر على خده الضامر، لكنه أنكر ابنه خوفاً من الملاحقة القانونية. فالفتى التحق بالتجنيد الإجباري بدلاً من ابن ثري القرية بعدما اضطر إلى تزوير هويته مقابل المال. وكذلك فعل حمادة صابر على مدى اليومين الماضيين بعدما أنكر معذبيه خوفاً من عذاب إضافي، أو هكذا على الأقل عقدت المقارنة على موقع التواصل الاجتماعي «فايسبوك» بعدما برأ صابر، الحرفي الفقير، جنود الشرطة وضباطها من سحله عارياً انتقاماً منه على الصياح في وجه رئيس الجمهورية القابع في قصره لكي يرحل.

كذبة الرجل الصابر على بلواه لم تفلح طبعاً في إقناع ملايين المشاهدين، الذين شاهدوه في الشريط المصور يتعرض للسحل والتعرية، قبل أن يسمعوه في اتصال هاتفي مع برنامج تلفزيوني مادحاً الشرطة بوصفها حاولت إنقاذه من أيدي المتظاهرين الذين خلعوا عنه ملابسه. كما أن إحدى بناته كذبت والدها ووالدتها في اتصال لاحق في مواجهته على الهواء مباشرة، لأن الرجل على ما يبدو لم يكن يعلم بأن مقطعاً مصوراً، سجل كل ما حدث، كان قد انتشر بالفعل، وكشف عن الجناة بملابسهم الرسمية السوداء وهم يحيطون بالجسد العاري الضعيف.
كذلك، حُجب عن صابر التبرير الذي أصدرته صفحة الشرطة على الفايسبوك، واعترفت فيه بمسؤولية القوات الأمنية عن الحادثة وإن بررتها بـ«غضب وانفعال الجنود الزائد، بعدما قام هذا الشخص بالتعدي على عميد أمن مركزي بالخرطوش».
كذلك، افتضح أمر الضغوط التي تعرضت لها زوجة صابر، التي برأت الشرطة بدورها، بعدما اكتشف فريق عمل برنامج تلفزيوني أنها أجرت الاتصال من هاتف جوال يخص ضابط شرطة، لتبدو الرياح كأنها لم تأت بما تشتهيه سفن السلطة الى النهاية. فمحمود، أحد جيران حمادة صابر، يروي لـ«الأخبار» كيف أن الرجل يعتزم التراجع عن تصريحاته السابقة التي برأ فيها وزارة الداخلية من تعريته وسحله بعدما علم من ابن عمه بأن المقطع المصور للواقعة مذاع ومنشور على مواقع التواصل الاجتماعي أصلاً بعد وقت قصير من وقوع الحادثة. ووفقاً لمحمود «صابر لم يكن يعلم أصلاً أن قصته تحولت الى قضية رأي عام، وبالتالي لم يجد غضاضة في محاولة التكتم على ما حدث، ليس فقط بفعل الضغوط عليه من الشرطة، بل كذلك بفعل الشعور بالعار، إذ شعر حمادة بأنه سيفضح نفسه وقال لابن عمه في المستشفى إنه لا يرغب في أن يعلم الناس بأنه سقط عارياً في الشارع». ويضيف «إلا أن ابن عمه عرض المقطع المصور على هاتفه الجوال ليراه حمادة بنفسه، فقرر الأخير التراجع عن موقفه ما دام أمره قد فضح بالفعل».
وبالفعل، غيّر حمادة صابر أقواله أمام النيابة وتراجع عن اتهامه للمتظاهرين بالاعتداء عليه، وأكد أن ضباطاً من الشرطة قد اعتدوا عليه وسحلوه أثناء سيره وأسرته بمنطقة روكسي في مصر الجديدة. وأقر المتهم بأن الشرطة جردته من ملابسه وسحلته أثناء أحداث اشتباكات قصر الاتحادية، فيما قررت النيابة نقله إلى مستشفى آخر لإكمال العلاج.
إذاً، الضحية نهض من كبوته، وخصوصاً بعد غضب أهالي منطقة المطرية التي ينتمي إليها وتجمعهم أمس أمام منزله، مطالبين بتنظيم مسيرة حاشدة إلى مستشفى الشرطة الموجود فيها لإخراجه منها.
محمد عبد العزيز هو أحد المحامين المتطوعين لمساندة صابر في وجه جلاديه، منتظراً خروج حمادة من المشفى الذي يرقد فيه لبدء إجراءات توكيل لإقامة دعوى قضائية على وزير الداخلية ورئيس الوزراء ورئيس الجمهورية.
عبد العزيز روى لـ«الأخبار» كيف علم بأمر صابر «فقد كنت هناك أمام قصر الاتحادية، وعلمت بما حدث، لكن لم أشاهده بعيني، وعلمت بعدها أن الرجل اختطف من قبل الشرطة داخل القصر الجمهوري الذي استطعت النفاذ إليه بصحبة إحدى زميلاتي استناداً الى هويتنا كناشطين في الدفاع عن حقوق الإنسان، لكن الضباط هناك أخبرونا بأن الرجل نقل الى مشفى الشرطة ولم نستطع مقابلته منذ ذاك الحين بسبب القيود التي فرضتها الشرطة».
ورأت عايدة سيف الدولة، المعالجة النفسية في مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف أن واقعة حمادة صابر كإحدى وقائع العنف الجنسي لا تعدّ استثناءً من حالات الانتهاكات على يد السلطة بحق المحتجين ضدها.
وأكدت أن «استخدام العنف الجنسي شائع جداً في حالات التعذيب، سواء كان عنفاً لفظياً من قبيل التهديد بالانتهاك الجنسي أو فعلياً عبر هتك العرض. وعادةً ما تتنوع التهديدات لتشمل اعتقال نسوة من الأسرة والاعتداء جنسياً عليهن أمام ذويهن المعتقلين». وشددت على أنه «في كل الأحوال، غالباً ما تستهدف السلطات من وراء ممارسة هذا النمط من التعذيب الإذلال وكسر الإرادة لانتزاع الاعترافات». وخلصت إلى القول «لأن العنف الجنسي يستتبع عواقب اجتماعية بعد الإفراج عن الضحية، فهو بالتالي يحقق فائدة إضافية للجناة لأن الضحايا عادة ما يحجمون عن الإفصاح أو الإبلاغ عما لاقوه خوفاً من تلك العواقب».
واللافت أن عايدة لا ترى بعد الثورة إلا ارتفاعاً في معدلات لجوء السلطة الى العنف الجنسي بحق معارضيها والمحتجين ضدها. «فصحيح أنني لست على اطلاع على كل وقائع التعذيب في مصر طبعاً، إلا أن ملاحظاتي في هذا الصدد تستند الى ما يصل الى مركز النديم من روايات الضحايا، مع الأخذ في الاعتبار أن أحداث الاحتجاجات أثناء الثورة (في كانون الثاني عام 2011) وبعدها كانت تتضمن اعتقالات واسعة النطاق، ومن هنا تضخمت حالات العنف الجنسي عبر التهديد أو إجبار المعتقلين على خلع ملابسهم على مرأى من بعضهم البعض مثلاً».