عمّان | استقال الجنرال، رئيس مجلس النواب الأسبق عبد الهادي المجالي، من البرلمان عقب أيام من إعلان نتائج الانتخابات التي قال إنها مثّلت «استهدافاً» له بوصفه رئيس حزب «التيار الوطني»؛ فانسحب من الحياة السياسية الأردنية مهزوماً على يد سلطة منحته النفوذ والثروة، ليفسح المجال أمام لاعبين جدد يرتضون قواعد اللعبة ذاتها.

المجالي، النائب «المزمن» في ستة برلمانات متتالية، يمثّل صورة السلطة التي تخلّت عنه ولم تدعم حملته الانتخابية الأخيرة، خلافاً لما قامت به طوال الدورات الماضية، وتشاركت معه صدمة خسارة قائمة حزبه كاملة باستثنائه هو شخصياً.
وتتجلى المفارقة في أن المجالي الذي عُهد إليه تأسيس «التيار الوطني»، حزباً حاكماً افتراضياً، حظي بنصف أعضاء مجلسي النواب السابقيْن، ليخرج، اليوم، فجأة من «المولد بلا حمص». وتستدير السلطة بعدما «غسلت يديها» من التيار لتجترح صيغاً جديدة قد يكون آخرها اقتراح شخصية إخوانية «معتدلة» أو «منشقة عن الإخوان» لتؤلف الحكومة المقبلة. حكومة قد يؤلفها البرلمان الذي انتُخب بثلث أصوات الأردنيين، أو تختارها السلطة ضمن التوازنات الحالية.
وجهٌ ثانٍ للمفارقة يتعلق بـ«زيف» التمثيل العشائري والمناطقي، الذي يصرّ النظام على تبنّيه؛ فلا تمثيل خارج إرادة الحكم، وهذا ما يعبّر عنه عدم حصول المجالي على نصف أصوات الناخبين المسجّلة في مسقط رأسه ومكان امتداده العشائري في قرية الياروت _ الكرك جنوبي العاصمة.
إرادة الحكم لا تتوقف عن تمثيل الشعب في لعبة الصناديق، بل تتعداها إلى تمكين شخصيات سياسية محسوبة على «البيروقراط» من جني ثروات طائلة جرّاء احتكارهم السلطة عقوداً من الزمن، ومنهم المجالي الذي أمضى 30 عاماً في الخدمة العسكرية، وتقاعد بعدها ليتفرغ للعمل السياسي بعد إلغاء الأحكام العرفية، ويجمع ما يفوق مليار دولار.
التحول إلى الديموقراطية جاء برموز مرحلة القمع أنفسهم، إذ إنّ المجالي هو من أدار اقتحام جامعة اليرموك عام 1986، حين كان مديراً للأمن العام، وأصدر أوامره لرجال الشرطة بضرب الطلبة وتفريق الاعتصام الذي نفذّوه احتجاجاً على فصل زملائهم لدواعٍ سياسية، وسقط عدد من الشهداء واعتُقل العشرات وتم فصل آخرين، لم يعد معظمهم إلى مقاعد الدراسة حتى حصول الانفراج السياسي عام 1989.
انفراج قاد المجالي ليصبح عضواً في مجلس النواب ورئيساً له ثلاث دورات، ومؤسساً لحزب سياسي يضع في مقدمة أهدافه العامة: «التوفيق بين مفهوم الأمن وسياساته ومبدأ احترام الحريات وحماية المواطنة». وأنسى دفء الديموقراطية الجنرال انضباطيّته العسكرية؛ فلم يحتمل إحالته على التقاعد من رئاسته المديدة للبرلمان.
بدورها، استحوذت المؤسسة العسكرية والأمنية على نصيبها في لعبة السلطة منذ عودة الحياة الديموقراطية، وأُسند إلى مدير المخابرات الأسبق أحمد عبيدات رئاسة لجنة الميثاق الوطني، التي أعادت صوغ «العقد الاجتماعي»، كما أراد الملك حسين آنذاك، ومُنح عبيدات، الذي اشتهر عهده بالقمع، رئاسة المركز الوطني لحقوق الإنسان، الى أن أرغمته توازنات القوى في السلطة نفسها على الاستقالة عام 2008، ليجد لنفسه مكاناً ذا وجاهة في صفوف المعارضة.
ويحمل التوريث وجهاً أخيراً للمفارقة، إذ عُيّن نجل المجالي، سهل عبد الهادي، وزيراً عابراً للحكومات، مواصلاً درب أبيه كرئيس لعدد من مجالس إدارات الشركات التي تنهب مقدرات الوطن تحت مسميات الخصخصة وتطوير المنشآت العامة.
وتوريث المناصب والانتفاع بها يشملان معظم ممثلي البيروقراط الأردني، وزراء ورؤساء حكومات وأجهزة أمنية، غير أن خروج المجالي يدحض مقولات محللين سياسيين حول حضور «البيروقراط» وتأثيره ككتلة واحدة، أو حول صراعها مع رجال الأعمال ممثلي الليبرالية الجديدة؛ فالحقيقة المؤسفة أن النظام يبتدع كل هذه التقسيمات، ويديرها بنفسه، ويوزع الأدوار بينها.