لم يكن شكري بلعيد (٤٩ عاماً) يتصور أنه سيموت مقتولاً بعد ساعات من حديثه على قناة نسمة، مساء أول من أمس، عن خطورة العنف وإمكانية بداية مسار الاغتيال السياسي. لم يكن يتصوّر أنه سيكون أول من يسقط مقتولاً بثلاث رصاصات أطلقت عليه امام بيته في الثامنة صباحاً، ليكون الضحية الثاني للاغتيال السياسي بعد لطفي نقض الذي قتل في تشرين الاول الماضي على يد عناصر من رابطات حماية الثورة بتطاوين.


بدأ شكري بلعيد مسيرته النضالية مبكراً، إذ ولد في ضاحية شعبية فقيرة قريباً من وسط العاصمة (جبل جلود) وانخرط مبكراً في العمل السياسي السري مع أشهر فصائل اليسار التونسي (الوطنيون الديموقراطيون). وقد لمع نجمه بسرعة في الاحداث الطالبيّة التي عرفتها تونس في مطلع الثمانينيات. وبعد التحاقه بالجامعة اصبح بلعيد من القيادات الاساسية لتيار «الوطنيين الديموقراطيين». وكان شكري من القيادات الطالبية المطلوبة لأجهزة الأمن، فعاش المطاردة والسرية والقي القبض عليه في المواجهات بين الطلبة والسلطة في منتصف الثمانينيات، وتم تجنيده القسري مع مجموعة من الطلبة في منطقة رجيم معتوق في أقصى الصحراء التونسية، وأطلق سراحه بعد تولي الجنرال بن علي الحكم، في خطوة أرادها آنذاك لخلق انفراج سياسي.
وبعودته الى الجامعة، استعاد بلعيد دوره كزعيم طالبي، فكان من مهندسي المؤتمر 18 للاتحاد العام لطلبة تونس. وصعد الى المكتب التنفيذي في اول هيئة شرعية بعد سنوات من تعطيل نشاط الاتحاد العام لطلبة تونس، الذي انقلبت سلطة الحبيب بورقيبة على هيئته الشرعية ذات التوجه اليساري في مؤتمر قربة 1972.
واصل بلعيد نضاله الطلابي الى حدود سنة 1992 ليكون بذلك أحد القيادات التاريخية للحركة الطالبية التونسية. وفي السنة ذاتها، سافر الى العراق لينهي دراسته الجامعية اختصاص حقوق، ومنها سافر الى فرنسا لمواصلة دراساته العليا وعاد الى تونس في أواخر التسعينيات ليلتحق بالمحاماة. وقد ظل على المسار الذي اختاره منذ البداية مناضلاً حقوقياً وتقدمياً تولى الدفاع عن كل قضايا الرأي وقضايا النقابيين، ولم يتردد في الدفاع عن السلفيين الذين اعتقلتهم سلطات زين العابدين بن علي بموجب قانون الإرهاب. كما كان شكري بلعيد احد المحامين الذين دافعوا بشراسة عن مساجين انتفاضة الحوض المنجمي في 2008 وساهم في الحراك الحقوقي والشعبي الذي انطلق يوم ١٧ كانون الأول ٢٠١٠ وقد تم اعتقاله قبل هروب بن علي بيوم واحد.
بعد سقوط النظام السابق، أسس بلعيد رسمياً حزب «حركة الوطنيين الديموقراطيين». وفي المؤتمر الأول للحزب في الخريف الماضي، اختير أميناً عاماً، لينطلق في مساعيه لتوحيد العائلة اليسارية، وخصوصاً عائلة «الوطنيين الديموقراطيين». ونجح في بعث «حزب الوطنيين الديموقراطيين الموحد»، الذي يتولى أمانته العامة، كما كان من بين القيادات التي أسست «الجبهة الشعبية»، التي تضم عشرة أحزاب يسارية وبعثية.
شكري بلعيد كان يخطب في كل المدن والقرى التونسية، وكان في مقدمة الاحتجاجات الشعبية وله أنصار في الحركة الطالبية. وقد اتهمته حركة «النهضة» ووزير الداخلية علي العريض بالوقوف وراء الاحتجاجات الشعبية في مدن سيدي بوزيد وقفصة والقصرين وسليانة. ويتعرض منذ صعود حركة النهضة الى الحكم وبروزه كشخصية سياسية معارضة، الى حملات عبر «الفايسبوك» وفي خطب أئمة المساجد. وطالب بعض السلفيين في خطب تم ترويجها عبر الانترنت بتصفيته. كما أكدت زوجته وعدد من أصدقائه ورفاقه في الجبهة الشعبية تلقيه مكالمات هاتفية ورسائل تهديد بالقتل، لكنه لم يكن يعيرها أهمية، كما تم اقتحام بيته من مجهولين في شهر رمضان الماضي. لكن شكري بلعيد كان شجاعاً وصلباً في دفاعه عن الحرية والديموقراطية وقد اشتهرت كلماته عن الحكومة بأنها «حكومة استعمار قطري جديد». كما اتهم حركة النهضة بحماية الإرهاب والتستر على الإرهابيين لخلق مناخ من الخوف في الشارع التونسي. ودعا قبل ساعات من اغتياله صباح الثلاثاء في ندوة صحافية الى تنظيم حوار وطني حول العنف وطالب الحكومة بتحمل مسؤولياتها تجاه المجموعات الخارجة على القانون التي تستهدف الحريات.
كما كان شكري بلعيد شاعراً حالماً، لكن السياسة اختطفته وحولت وجهته بعيداً عن الشعر ليموت شهيداً للحرية.