كان الشهيد شكري بلعيد يحلم بتجميع قوى اليسار التونسي المشتّت، في حزب يساري كبير، لكنه لم ينجح في ذلك إلا جزئياً. فهل يجتمع اليساريون وفاءً لروحه وحلمه بعد هذه المصيبة؟

للمرة الأولى تلتقي كل العائلة الديموقراطية في اجتماع موحد أمس في مقر الجبهة الشعبية لتدارس التحركات الممكنة، وهو ما فشلت فيه في السابق، إذ لم تسلم مبادرات التوحيد من التجاذبات السياسية وحتى الأمزجة الشخصية.

ويطرح رحيل بلعيد سؤالاً كبيراً عن مستقبل الجبهة الشعبية، وخاصة على الوطنيين الديموقراطيين فيها. فرغم أنه ليس أكبر قيادات تيار الوطنيين الديموقراطيين سنّاً، استطاع أن يكون في الصف الأول. ولعل ذلك يعود الى ما يتمتع به من كاريزما أهّلته ليكون «زعيماً» منذ بدايات شبابه. كما أنه يتمتع بقدرة كبيرة على الحركة والتنقل في جهات البلاد من الجنوب الى الشمال من دون أن يتعب من السفر ولا من الخطابة في الاجتماعات الشعبية وفي المشاركة في البرامج الإذاعية والتلفزيونية الى جانب ثقافته الواسعة وفطنته.
هذه المؤهلات يصعب أن تتوافر في قيادي آخر من القياديين الحاليين في حزب الوطنيين الديموقراطيين الموحد، كما سيفقد اليسار حماسة بلعيد لتحويل الجبهة الشعبية الى معطى سياسي شعبي ورقم انتخابي مهم في الانتخابات المقبلة. وأكدت استبيانات الرأي أن الجبهة الشعبية تتقدم في الجهات الداخلية في ظرف وجيز، وبالتالي فإن غياب بلعيد سيؤثّر كثيراً على أدائها.
وقد عاش اليسار التونسي محناً في عهد الزعيم الحبيب بورقيبة، إذ زجّ بقياداته في السجون في منتصف الستينيات، وحظر الحزب الشيوعي ومنع حزب العمال من العمل السياسي القانوني وزجّ بقيادته في السجن ومُنعت صحيفته «البديل» من الصدور. كذلك واجه النظام بقسوة انتفاضة الطلبة المعروفة بحركة شباط ١٩٧٢ وزج بمئات الطلبة في السجون ومنع العمل السياسي والنقابي في الجامعة. وتواصل قمع اليسار بعد أحداث كانون الثاني 1978 وفي انتفاضة الخبز 1984، وكان اليسار حاضراً في كل هذه المحطات.
أما في التسعينيات فقد استهدف النظام الفصائل اليسارية بعد أن اجتثّ الحركة الاسلامية. واتجه اليساريون الى العمل في المجال الحقوقي والنقابي، وعقدوا تحالفات مع الإسلاميين، في حين دافع المحامون اليساريون عن الإسلاميين أمام المحاكم، والتقوا معهم في إضراب الجوع الشهير في ١٨ تشرين الأول ٢٠٠٥ الذي اعتبر الإسفين الأول في نظام بن علي.
ورغم مساهمة اليسار في الحراك الشعبي الذي أدى الى سقوط النظام السابق، لم يجن في الانتخابات أكثر من مقاعد لا تصل الى عدد أصابع اليدين. وقد كانت هذه الحصيلة صدمة لليساريين، حيث بادر الشهيد آنذاك إلى الدعوة الى توحيد فصائل اليسار والقوى الديموقراطية بشكل عام.
هذا الاغتيال سيدفع من جهة ثانية قوى يسارية أخرى، لم تلتحق بالجبهة الشعبية، الى الانضمام إلى هذه الجبهة التي التقت لأول مرة بعد اغتيال بلعيد مع «نداء تونس» لتشكيل جبهة المعارضة التي أعلنت الإضراب العام والجنازة الوطنية اليوم الخميس.
وستكون هذه الجبهة التي تجمع كل الأحزاب الديموقراطية مُعطى سياسياً جديداً من شأنه أن يعمّق عزلة حركة النهضة وحليفيها «المؤتمر من أجل الجمهورية» و«التكتل من أجل العمل والحريات». فالحكومة وحركة النهضة تحديداً سيجدان نفسيهما أمام جبهة تجمع بين اليسار الراديكالي ووسط اليسار والليبراليين.
وهذا اللقاء السياسي لم يكن ليحدث لولا اغتيال بلعيد، إذ كانت الجبهة الشعبية، بما فيها المغدور، ترفض اللقاء مع «نداء تونس». لكن بشاعة الجريمة وحّدت الجميع ضد الحكومة، وخاصة حركة النهضة التي تحمّلها كل الأطراف المسؤولية السياسية عن مناخ العنف.