القاهرة | بعد قيام الثورة، لا تزال المصريات عند المربع نفسه من الاستهداف الذي كنّ عرضة له أيام نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك. فليس لهن أن يرفعن أصواتهن، وإلا عُبث بأجسادهن، وربما هُتكت أعراضهن لكسر إراداتهن وإضعاف قدراتهن على المقاومة. هن ومن معهم من الرجال سيكونون العقاب. شهادات كثيرة سجلت خلال الأحداث التي شهدتها القاهرة الأسبوع الماضي، لعل أقساها تلك التي روتها ناشطة رفضت الكشف عن اسمها. الناشطة روت تفاصيل ما تعرضت له بكثير من الشجاعة، لتنبّه إلى حالة باتت تلحظها كل سيدة تعيش في القاهرة أو تزورها.

الناشطة، التي نزلت إلى الميدان للاعتراض على ممارسات حكم الإخوان، تروي كيف كانت تساعد صديقتها للخلاص من براثن المتحرشين، لتقع هي ضحيتهم. وتقول: «حاولت أن أخلصها أنا وصديقي، لكنهم دفعونا معاً فوقعنا فوق بعض ثم فصلونا إلى دائرتين، وقتها لم أدرك أي شيء. كل ما كنت ادركه أن هناك المئات من الأيادي تجردني من ملابسي وتخترق جسدي بكل وحشية». وتضيف: «الدوائر القريبة مني والملتصقة بجسدي يغتصبونني بأصابعهم من الأمام والخلف، بل وأحدهم كان يقبلني من فمي… أصبحت عارية تماماً، وكلما كنت أحاول أن أصرخ وأن أدافع عن نفسي وأن استنجد بمخلص كانوا يزيدون من عنفهم واغتصابهم». التحرش والانتهاك الجسدي وصل إلى مرحلة أخرى حين سمعت الناشطة مجموعة من الشباب تتفق: «ناخدها وبعدين واحد واحد يا شباب». لكن سيناريو الرعب المنتظر لم يكتمل، حين انتفض أحد المتحرّشين، بعد توسلات عدة لإنقاذ الفتاة.
الشهادة هي فتاة تبلغ من العمر 22 عاماً، دفعها ما تعرضت له إلى الكلام لإيمانها بأن الصمت وعدم الكشف عن تلك الحقائق هو أهم أسباب انتشارها واستمرارها.
شهادة أخرى أكثر تعبيراً وتسييساً عبّرت عنها الناشطة سلمى الطرز، المتطوعة في حركة «قوة ضد التحرش والاعتداء». شهادة سلمى حملت كثيراً من الغضب على الناشطين في الثورة، قائلة: «لدي غضب وقرف شديدين تجاه كل من يدّعي أنه ثوري، لكن عندما نكلمه عن التحرش يعتبره موضوعاً تافهاً وليس من أولوياته لأن لديه ثورة». وتتابع بحرقة: «كل ست نزلت التحرير وتعرضت للتحرش ــ الاعتداء الجنسي ليست أقل من أي مصاب في الثورة ترفع صوره ويُعَدّ بطلاً. لكن ينسون كل سيدة نزلت وتعرضت للاعتداء لمجرد أنها سيدة، وبالعكس يقولون لها اسكتي حتى لا تسيئي إلى سمعة الثورة».
ولكن ما الفرق بين التحرش الذي ألفه المجتمع المصري في الأعياد والمناسبات وفي الأماكن المزدحمة، والتحرش الذي شهده ميدان التحرير أخيراً؟
الباحثة في مركز نظرة للدراسات النسوية، مايسة أمير، قالت لـ«الأخبار» إن ما يتعرض له ميدان التحرير في الشهور الأخيرة ينطبق عليه وصف «التحرش الجماعي»، مضيفة أن التحرش الفردي الذي اعتاده الشارع المصري جبان وتحكمه الغريزة، ولكن الجماعي غالباً ما يكون مقصوداً، والمشاركون فيه يشعرون بحماية بعضهم بعضاً، وخصوصاً أن القانون المطبق حالياً فيه العديد من الثُّغَر التي تمكن الجاني من الإفلات من العقاب، وهو ما يتيح لأي بلطجي الاعتداء على الفتاة من دون عقاب.
وتضيف مايسة: «المجني عليها وفقاً للقانون يجب أن تعتقل الفاعل مع وجود شهود وتقتاده إلى أقرب قسم شرطة وتحرر له محضراً، وغالباً ما تطالب أقسام الشرطة والفتاة بالتوجه إلى النيابة العامة لتقديم بلاغها، وبعدها تدخل في قضية طويلة الأمد تكون كافية لمعرفة الرأي العام كله بالواقعة، وهو أمر لا تستطيع كل الفتيات مواجهته، وخاصة في حالة التحرش الجماعي وبالتالي يفضلن الصمت»، مضيفة «أن من يقف وراء التحرش الجماعي في التحرير يستغل هذه الثغرة في تحقيق مصالحه».
بدوره، أكد منسق مبادرة «لا للتحرش» محمد تيمور على أن التحرش في ميدان التحرير مقصود، مشيراً إلى أن حالات التحرش الجماعي التي ترصدها المبادرة تكون متطابقة في كيفية تنفيذها، ما يؤكد أنها ليست عشوائية. ويؤكّد عضو المكتب التنفيذي للتيار الشعبي، محمد عواد، «وجود مجموعات منظمة مأجورة، مثل التي كان يستخدمها الحزب الوطني من قبل، وهي نفسها التي كانت تفتعل المشاكل مع المتظاهرين، إلا أنها حالياً تستخدم لترويع المتظاهرات في الميدان».
السؤال الأكثر إلحاحاً هو لماذا التحرير؟ منسقة مبادرة «فؤادة ووتش»، المهتمة بشؤون المرأة، جانيت عبد العليم، تؤكد «استخدام التحرش الجنسي كسلاح للقضاء على التظاهرات وتشويه أماكن بعينها». وتضيف: «ظاهرة اعتدناها كناشطين في حقوق الإنسان ــ منذ عصر مبارك، لكنها كانت تسند لجنود الأمن المركزى، وفي عهد المجلس العسكري اتخذت الظاهرة شكل كشوف العذرية، وسحل البنات، لكن الأكثر قسوة كان في عهد الرئيس مرسي، حيث وصل الأمر إلى حدّ الاغتصاب الكامل». وتتابع: «المجموعة التي تختطف البنت في البداية، يكون هدفها في كل الحالات واحداً، فضّ غشاء البكارة، وهو سلوك عنيف ليس هدفه التحرش، بل تأديب الفتاة، وإلحاق العار بالمتظاهرات وبميدان التحرير لتكوين انطباع سلبي لتخويف الفتيات والسيدات من النزول إلى الميدان ومعارضة النظام».
لكن كل هذه الوسائل لا يبدو أنها ستفلح في منع النساء المصريات من المشاركة في التظاهرات؛ إذ خرجت أمس مسيرة نسائية حاشدة ضد التحرش والإخوان. صورة السيدة أم كلثوم كانت في مقدمة المسيرة، إلى جانب صورة هدى شعراوي، التي خلعت عن وجهها النقاب قبل نحو مئة سنة. المسيرة التي هتفت في وجه الحركات الإسلامية «قالوا صوت المرأة عورة... صوت المرأة هو الثورة»، احتاجت إلى حماية من الرجال، الذين شكّلوا دروعاً بشرية على الحواف تتولى الحماية من هجمات من مجموعات التحرش.




المعارضة المصرية تتخوف من الاغتيالات

أدان المتحدث باسم جماعة الإخوان الملسمين في مصر أحمد عارف اغتيال المعارض التونسي، شكري بلعيد، فيما توقع المتحدث باسم جبهة الإنقاذ الوطني حسين عبد الغني حدوث اغتيالات مماثلة في مصر.
وقال لـ«رويترز»: «القاعدة التحتية لجماعة الإخوان المسلمين والجماعات الجهادية وتاريخهم في مجال العنف الذي شهد به منشقون عنهم تنبئ باستخدام العنف ضد سياسيين مصريين». وأضاف: «مثل هذه المخاوف لن تثني التيار المدني عن مواصلة نضاله ضد النظام من أجل تحقيق أهداف الثورة».
وفيما تستعد جبهة الإنقاذ لتنظيم تظاهرات جديدة يوم الجمعة المقبل تحت شعار «جمعة الرحيل»، أعلن المتحدث باسم رئاسة الجمهورية، ياسر علي أن منتصف الأسبوع المقبل سيشهد عقد جلسة للحوار الوطنى المصري. وأوضح أن رئاسة الجمهورية تهتم بتغليب منطق الحوار، لأن هناك بعض الأطراف تستغل غياب منطق الحوار في تصعيد العنف لتحقيق أهداف سياسية.
إلى ذلك، أكد المشاركون في تحالف القوى الوطنية، الذي يضم عدداً من الأحزاب والحركات السياسية ومنظمات المجتمع المدني، أن الحل للأزمة السياسية الحالية في مصر، هو إجراء انتخابات رئاسية مبكرة.
(الأخبار، رويترز)