سعت الادارة الأميركية مراراً لتفادي أي نقاش جدي حول الحرب السرية التي تعتمدها في مكافحة عناصر تنظيم القاعدة، سواء أكانوا مواطنين أميركيين أم أجانب، متجاهلةً أعداد المدنيين الذين يسقطون نتيجة أخطاء الضربات الجوية لأهدافها، سواء في أفغانستان أو باكستان وأخيراً اليمن.

لكن هذه الحرب والاستراتيجيات المتّبعة فيها ستكون اليوم عرضة للنقاش علناً للمرة الأولى في مجلس الشيوخ الأميركي، بعدما وفّر ترشيح جون برينان، مستشار باراك أوباما لشؤون الأمن القومي ومكافحة الارهاب، لمنصب مدير الـ«سي آي إيه»، هذه الفرصة، ولا سيما أن الجلسة سبقها الكشف عن استخدام الـ«سي آي إيه» لقاعدة في السعودية مخصصة لتنفيذ هذه الغارات في اليمن. كذلك تم إماطة اللثام قبل أيام عن وثيقة لوزارة العدل تمنح مسؤولي الادارة الأميركية الحق في قتل مواطنين أميركيين يشتبه في انتمائهم إلى التنظيم حتى في حال عدم وجود أدلة على تورطهم في هجوم وشيك على مصالح الولايات المتحدة، فضلاً عن الكشف أن الـ«سي آي إيه» حظي بتعاون 54 بلداً في قضية السجون السرية.
إذاً، بعد قرابة عام ونصف عام من التحفظ، خرجت وسائل الإعلام الأميركية لتؤكد أن الولايات المتحدة تدير قاعدة لطائرات من دون طيار في السعودية وتستخدمها في شنّ هجمات على عناصر من تنظيم القاعدة في اليمن، وذلك في تأكيد لما سبق أن ذكرته وكالة «أسوشييتد برس» في حزيران من عام 2011. يومها، أشارت الوكالة إلى إنشاء الإدارة الأميركية قاعدة في الخليج، لكنها لم تحدد موقعها بناءً على طلب من مسؤولين رفيعي المستوى فى إدارة أوباما.
وهو ما تبيّن أن صحيفة «واشنطن بوست» التزمت به أيضاً، بعدما ذكرت أنها ووسائل إعلام أخرى امتنعت عن نشر خبر القاعدة لنحو سنة بطلب من إدارة الرئيس باراك أوباما. وأوضحت «واشنطن بوست» أن المسؤولين قالوا إن كشف موقع «قد يقوّض العمليات ضد المرتبطين بالقاعدة»، ويلحق الضرر بالتنسيق بين الولايات المتحدة والسعودية في ما يتعلق بمكافحة الإرهاب.
من جهتها، أوضحت صحيفة «نيويورك تايمز» أن التفكير في إنشاء القاعدة أتى بعد أن أدّت أولى الغارات التي أمرت بشنّها الإدارة الأميركية في اليمن عام 2009 إلى مقتل مدنيين، فيما نتج من الغارة الثانية التي شنّتها بعد ستة أشهر مقتل مسؤول محلي. أما أول من تم القضاء عليهم بواسطة الغارات التي انطلقت من القاعدة فكان الداعية الأميركي من أصل يمني أنور العولقي، الذي قتل في أيلول عام 2011.
أما المفاوض الذي أقنع السعوديين بإنشاء القاعدة، فأكدت صحيفة «واشنطن تايمز» أنه ليس سوى برينان الذي شغل سابقاً منصب رئيس محطة وكالة الاستخبارات المركزية في السعودية. كذلك أشرف الأخير طوال السنوات الماضية على ضربات الطائرات بدون طيار ونسّق لقائمة الأهداف المطلوب تصفيتها.
أهداف كشفت أيضاً وسائل إعلام أميركية أن معاييرها وضعت في وثيقة سريّة تابعة لوزارة العدل، وتخول الإدارة الأميركية قتل مواطنين أميركيين في حال الاعتقاد بأنهم «قياديون تنفيذيون كبار» في تنظيم القاعدة. وتقول الوثيقة إن «شرط تشكيل قيادي ناشط خطراً وشيكاً بشن هجمات عنيفة على الولايات المتحدة، لا يتطلب الحصول على إثبات واضح على قرب حدوث هجوم على مواطنين ومصالح أميركية في المستقبل القريب»، لكن عوضاً عن ذلك يمكن مسؤولاً «رفيع المستوى ومطلعاً» أن يتخذ قراراً بأن الشخص المستهدف يمثّل «تهديداً وشيكاً بشن هجوم عنيف على الولايات المتحدة» في حال مشاركته «منذ فترة قريبة» في نشاطات مماثلة وعدم وجود إثبات على عودته أو تخلّيه عنها.
كذلك تشترط الوثيقة تعذّر القبض على الشخص المستهدف، وهذه الحالة قائمة إن مثّل القبض عليه «خطراً كبيراً» على أميركيين. ووفقاً للوثيقة نفسها، يمكن مسؤولاً رفيع المستوى، بناءً على تقديره الشخصي أو تقدير الاستخبارات، أن يمنح الضوء الأخضر لاستهداف أي مشتبه فيه إذا نُظر إلى اعتقاله من قبل المسؤولين على أنه يمثل «خطراً لا مبرر له».
وكانت الولايات المتحدة لجأت إلى هذه الاستراتيجية للمرة الأولى لدى اغتيالها العولقي والسعودي _ الأميركي سمير خان الذي كان يتولى إصدار مجلة «انسباير» إلى جانب نجل العولقي، عبد الرحمن الذي زوّرت واشنطن الحقائق حول مقتله معلنةً أنه يبلغ 21 عاماً وينتمي إلى تنظيم القاعدة، فيما تبين لاحقاً أنه لم يكن قد تجاوز 16 عاماً.
ولخص بروس ريدل، الضابط السابق في الاستخبارات الأميركية، الشهر الماضي، أسباب ميل الولايات المتحدة إلى تصفية عناصر القاعدة عوضاً عن إلقاء القبض عليهم بالقول «ماذا نفعل بمقاتل نلقي القبض عليه؟ أين نضعه؟ لا يمكننا تسليمهم لليمنيين للسبب نفسه الذي يجعلنا لا نسلم المعتقلين في غوانتنامو لليمنيين»، في إشارة إلى عمليات الفرار المتكررة من السجون التي يقوم بها من يشتبه في انتمائهم إلى القاعدة.
وفيما وصف نائب مدير الشؤون القانونية في اتحاد الحريات المدنية، جميل جعفر، الوثيقة بأنها «مروعة»، رأى السناتور رون وايدن أن الوثيقة «تترك العديد من الأسئلة حول أهم سلطات الرئيس القاتلة من دون الحصول على أجوبة حولها».
بدوره، قال السناتور ستيني هوير من ولاية ماريلاند، إن جلسة الاستماع إلى برينان «تستحق نظرة جدية في كيفية اتخاذ القرارات في الإدارة لإزالة/ قتل/ القضاء على أو مهما كانت التسمية، ليس فقط المواطنين الأميركيين بل مواطنين آخرين أيضاً».
من جهته، دافع المتحدث باسم البيت الأبيض جاي كارني عن السياسة الجديدة قائلاً إن الكونغرس سمح باستخدام «كل القوة العسكرية اللازمة» في الحرب ضد القاعدة. وأضاف «تلك الضربات قانونية، أخلاقية وحكيمة».
(الأخبار، أ ف ب، أ ب)