دمشق | «فدا الوطن» جملة تحمل من الوطنية المثالية ما يكفي. غالباً ما يقولها أحد البسطاء الفقراء من أهالي الجنود والضباط الشهداء عبر الإعلام السوري الرسمي. يقابلها على المقلب الآخر الأهالي الذين خسروا أبناءهم المناصرين للثورة. هم أيضاً قدّموا أبناءهم قرباناً لإسقاط النظام، فرحل الأبناء تحت شعار: «الموت ولا المذلّة».

بدأت الحكاية عبر التلفزيون الرسمي بعبارة «فدا الرئيس بشار الأسد». وشيئاً فشيئاً تمّ الالتفاف عليها وتحويلها إلى عبارة أخفّ وطأة على سمع الآخر، وهي عبارة: «فدا الوطن». شعار جامع ظاهراً، إنما يختصر الوطن بفريق دون آخر. فريق يصرّح في السر والعلن أن المتآمرين على سوريا لن يمرّوا، وبالتالي فهو يعي جيّداً أن «عدم مرورهم» يتطلب الكثير من القرابين والشهداء.

يقف أهالي هؤلاء الشهداء بظهر مكسور والفجيعة تغطي محيّاهم، والحزن يكسو ملامحهم ويعمّق تجاعيدهم، ليقولوا: فدا الوطن، في مشهد تراجيدي يفرضه عليهم الواجب الوطني فأضحت هذه الجملة تقليداً عاماً يتبعه الجميع.
حسّان، جندي في الجيش السوري، يفصح عن هواجسه بالقول: «منذ بداية الأزمة كنتُ أقول في نفسي إن الفوز في معارك كهذه سيكون حليفاً لمن يمتلك السلاح والقوة على الأرض. وبالطبع كان الميزان يرجح لصالح الدولة، إنما لم أكن أتوقع أن يكون الثمن كلّ هذا الدم والخراب». في كلّ مرة يخرج حسّان في مهمة يراوده إحساس واحد وهو أنه سيموت وسينساه الناس بعد أيام، إنما يعود ليفكّر أنّ أحد هؤلاء المسلحين قد يكون من المخططين لجريمة تتسبب في مقتل من يحب. ويتابع قائلاً: «أحاول الحفاظ على حياتي عندما أشعر أحياناً أننا مجرد أرقام في إحصائيات يومية». ثم يقوم بتعرية الواقع بلا مواربات، هازئاً، وهو يستشهد بمقابلة قديمة للنائب اللبناني وليد جنبلاط: «هي عادات جاهلية. هني غزوا ونحنا غزونا والأبرياء يدفعون الثمن، ومين قال إنو فيه حرب نضيفة». إلا أنّه يستدرك بالقول: «الأمر ليس إيماناً بالقضية فحسب، بل هو خليط من الإيمان والحمية والعاطفة بالإضافة إلى اتباع بروباغندا. المعركة اليوم معركة وجود ولا مجال للتراجع. أتكل على الله في ما سيجري لي، وحسب».
وفي ما يخص الولاء الأعمى لشخص أو لطرف أو لفكرة، فإن حسان يجد أن ذلك يسكن لاوعي الناس، إذ إنّ بعضهم يرتبط الولاء لديه بقناعاته، والبعض الآخر لا يملك إلا التسليم، بدليل أنه يشعر بالألم المضاعف إن كان سبب موت ابنه ناجماً عن خطأ أو تقصير، بدلاً من أن يكون شجاعة من ابنه أو غدراً من أعداء الوطن.
وعلى المقلب الآخر، فمن أرسى شعار «الموت ولا المذلة»، لم يلقَ إلا الموت في سبيل هدفه، حيث بدأت الحكاية بمطلب الحرية وانتهت بدفع الأرواح في سبيل إسقاط النظام. حالة تشرحها بكلمات بسيطة العجوز أم فراس، من حرستا، والنازحة إلى بلدة صحنايا. العجوز التي خسرت ابنها تبدأ حديثها بلعن الأرواح ثم بالدعوات على الجيش والقوى الأمنية، فولدها الأكبر انضم إلى عناصر الجيش الحر. تقول المرأة: «استشهد ابني وهو يحارب جيش الأسد الذي دمر منزلنا على رؤوس ساكنيه، ولم ينجُ من القذائف إلا ابني الأصغر وأنا». العجوز التي لا معيل لها، تجلس بانتظار مساعدات المتبرعين وبعض المتطوعين في أعمال الإغاثة أن يقدّموا لها السلل الغذائية والأغطية، وتعتبر ابنها شهيداً في سبيل قضية عادلة. قضية الأم وابنها إسقاط نظام الأسد ودون ذلك تهون الأرواح والنفوس، وهي مستعدة لتقديم ابنها الأصغر أيضاً بهدف ألا يذهب دم أخيه هدراً. هذا ما تقوله المرأة بكلمات بسيطة قبل أن تباغتها الدموع عند السؤال عن اشتياقها لابنها. لا تجيب، إنما تبكي بحسرة فحسب. بينما زياد صديق ابنها وحامل لواء قضية الحرية، يجيب على كلّ الأسئلة هاتفياً بكلمات مقتضبة وهي: «لا مجال للتراجع. شعبنا مهدّد ونحن ندافع عن أنفسنا. لهذا استشهد فراس. لقد كان فداء للمسلمين جميعاً». في حين يرى قيس، شاب عشريني من دوما، أنّ الشهيد يموت مرة، أما ذووه فيموتون ألف مرة في اليوم ويتجرعون ألوان الذل بعد رحيله، ولكنهم يتحملون ويصبرون على الظروف من أجل ألا يذهب دمه هدراً. لم يملك قيس أغلى من شقيقه الذي كان يحارب ضد الجيش السوري من خلال تمويل الجيش الحر. وعند حديثه عن تفاصيل علاقة الأخوّة التي جمعته بهيثم ينسى السياسة والحرية، ويغرق في أشواقه والخسارة الفادحة لعائلته وحجم العذاب الذي تعانيه زوجة شقيقه الشهيد وأمه. يصدمه السؤال: «ماذا لو حصلت تسوية سياسية وانتهت الحرب القائمة ببقاء كل شي على ما هو عليه؟». يرفض الإجابة، فشقيقه رحل ولا سبيل لاستعادة من رحلوا، إلا أن عينيه تشرحان الكثير من الحزن والخوف على أولاد أخيه ومن بقي من عائلته. «هيثم فدا الثورة؟»، سؤال يجيب قيس عليه مكابراً بالقول: «نعم. كلنا فدا الثورة». ثمّ يغرق في البكاء.
وما بين هذا الطرف أو ذاك يتمسك كلّ طرف بخياراته وعدالة قضية شهدائه، وتستمرّ الحرب في التوحّش، حيث ترى الاختصاصية النفسية الألمانية كارولا هاوبت في حديث لـ«الأخبار» أنّ «الأنا تذوب في الجماعة في حالة الظروف المجتمعية القاسية، إذ لا مجال هُنا للتفرد عند تهديد أحد الأطراف المتنازعة ويصبح الذوبان في الوعي الجماعي هو أحد ردود الفعل على التهديد بالفناء من قبل الطرف الآخر». وهُنا، بحسب هاوبت، تتوضح ظاهرة مشتركة بين المجتمعات الحديثة ومجتمعات القرون الوسطى والقديمة، وهي ظاهرة الهستيريا الجماعية. وفيما يخصّ فداء القائد في نظر العامة، فإن هاوبت ترى أنّه يرمز إلى الفرد المخلص في اللاوعي البشري، وذلك ناتج عن تراكمات دينية ميثولوجية تجعل هذا الفرد يختزل كل الصفات الإيجابية في شخصه ليقود من ينتمي إليهم نحو الخلاص.
وبعد أن ينام كل طرف من الأطراف المتقاتلة مؤجلاً القذيفة أو الرصاصة إلى اليوم التالي. ويصمت علم النفس عن البحث في لاوعي المتقاتلين ووحشيتهم. وحدها أم الشهيد في سوريا تنام على الجمر من وحشة الفراق وقسوته وسطحية كل تعويض. فإن تمنيتَ أن يعود الوطن كما كان، سيردّ عليك والد أحد الزملاء الاعلاميين الشهداء بأقسى عبارة يمكن للمرء أن يسمعها: «لا أستطيع أن أخدمك... فوطني استشهد».