تونس | «ثوّار ثوّار الجبهة الشعبيّة حتكمّل المشوار»، كان ذلك الهتاف أحد الشعارات التي رفعها آلاف التونسيين يوم أمس، تحت أمطار غزيرة وبرد شديد وراء السيارة العسكرية التي حملت جثمان القيادي في الجبهة الشعبية التونسية اليسارية المعارضة، الشهيد شكري بلعيد، الذي اغتيل منذ يومين، لم تعرف تونس في تاريخها منذ سنة ١٩٥٢ جنازة بأهمية الجنازة التي شهدتها يوم أمس، إذ لم تعرف بعد جنازة الشهيد الوطني فرحات حشاد، الذي جمع التونسيين بعدما اغتالته اليد الحمراء الفرنسية، جنازة بهذا الحجم. وقد شبّه عدد من الشيوخ جنازة بلعيد بجنازة حشاد، حيث تجمع نحو مليون و٤٠٠ ألف تونسي في العاصمة لتشييع بلعيد، حسب تقديرات وزارة الداخلية.


هذه الجنازة التاريخية تزامنت مع الإضراب العام الذي دعا إليه الاتحاد العام التونسي للشغل للمطالبة بنبذ العنف ومحاكمة القتلة وحل رابطات حماية الثورة. وقد حقق الإضراب في كل المحافظات نجاحاً وصل الى نحو ١٠٠ في المئة، حيث شُلّت الحياة بالكامل، وخيّم حزن عميق على الشارع التونسي الجريح.
وأغلقت البنوك والمصانع وبعض المتاجر أبوابها استجابة لدعوة الإضراب، لكن الحافلات كانت تسير بصورة منتظمة.
وقال متحدث باسم الخطوط الجوية التونسية إن الشركة أوقفت جميع رحلاتها أمس في إطار إضراب عام دعت إليه نقابات عمالية احتجاجاً على قتل بلعيد.
منذ الصباح الباكر، تجمّع التونسيّون من مختلف الأعمار ومن كل الأطياف السياسية ومن الرجال والنساء ومن المحامين والصحافيين والقضاة والجامعيين والنقابيين وغيرهم في الضاحية الشعبية جبل جلود، التي عاش فيها الشهيد. انطلق الموكب من بيت عائلته الى دار الثقافة، حيث ألقى عليه أنصاره وأصدقاؤه نظرة الوداع، سيراً على الأقدام في اتجاه مقبرة «الجلاز» على مسافة تصل الى ٧ كيلومترات، حيث دُفن الى جانب الشهيد صالح بن يوسف.
وتولى تأبينه زعيم حزب العمال (اليسار) حمة الهمامي، بحضور معظم زعماء الأحزاب السياسية والحقوقيين والنقابيين والمحامين والقضاة. وقال «نم قرير العين شكري، سنواصل السير على دربك». وغابت عن التأبين أحزاب الترويكا، إذ رفضت عائلته وقيادة حزبه (الوطنيون الديموقراطيون الموحد) حضور من يمثل الترويكا، وخاصة من حزبي النهضة والمؤتمر، إذ تُحمّلهما الأحزاب المسؤولية السياسية عن تنامي العنف لدعمهما لرابطات حماية الثورة.
وكان رئيس حزب نداء تونس الباجي قايد السبسي (يمين ليبرالي علماني) قد قال في تصريحات بالمناسبة «فقدنا بطلاً، إنه بطل لكل التونسيين».
الجنازة الحاشدة لم تسلم من محاولات بعض المنحرفين (هناك من يعتقد أنهم مأجورون) الاعتداء على موكب الجنازة، إذ تمت سرقة بعض السيارات وحرقها في محيط المقبرة الأشهر في تونس.

جنازات رمزية

الى جانب هذه الجنازة الوطنية التي تولى الجيش الوطني حمايتها وشاركت فيها النساء في مشهد غير مألوف بالنسبة إلى التونسيين، شهدت المدن التونسية جنازات رمزية في مدن صفاقس وسوسة وقفصة وجندوبة وبنزرت. كما أدى التونسيون في مسجد باريس صلاة الغائب «ترحماً على روحه» وكذلك في ميدان التحرير في القاهرة وفي الجزائر أيضاً.
التعاطف الشعبي الذي تعيشه تونس الآن مع الشهيد بلعيد ترجمته الجنازات الرمزية التي شارك فيها الآلاف، والتي تؤكد أن هذا المناضل اليساري سكن قلوب التونسيين الى الأبد، وأن اغتياله سيكون لحظة فارقة في تاريخ تونس وفي المشهد السياسي الحالي، بغض النظر عن الجهة التي تقف وراء الجريمة البشعة.
في غضون ذلك، بادر أصدقاؤه الى نصب رخامة تذكارية تحمل اسمه في الساحة التي استشهد فيها، كما تواصلت المسيرات والتظاهرات في كل الجهات التونسية، حاملة صوره وكلماته ومنددة بحكومة الترويكا وخاصة حركة النهضة التي وجهت لها كل الأطراف تهمة المسؤولية السياسية عن اغتيال بلعيد. وسادت شعارات عديدة منها: «خبز حرية كرامة وطنية»، «يا غنوشي يا سفاح يا قاتل الأرواح»، «يا بلعيد يا شهيد على دربك لن نحيد»، «يسقط حكم الإخوان يسقط جلاد الشعب» «الشعب يريد ثورة من جديد» وتكرر الهتاف الذي وجهته الثورة للرئيس المخلوع: «ديغاج» (أغرب) و«غنوشي احمل كلابك وارحل».
ورسم أحد فناني مجموعة «زواولة» (فقراء) على سور دار الثقافة الأبيض شارباً أسود يرمز الى بلعيد الذي اشتهر بشاربه الكث. وتعالت زغاريد النسوة في الحي لتختلط بشعارات مناهضة لحزب النهضة. واضطرت قوات الأمن إلى إطلاق قنابل الغاز المزيل للدموع لتفريق «منحرفين» أحرقوا نحو عشر سيارات في محيط المقبرة، ورشقوا عناصر الأمن بالحجارة واعتدوا على مدنيين، حسبما أفاد مصدر أمني. وتخللت التظاهرات أعمال عنف ومواجهات مع الشرطة في العديد من المدن التونسية، وخصوصاً في سيدي بوزيد، حيث قال شهود إن نحو 10 آلاف محتج تجمعوا ورددوا هتافات ضد حركة النهضة والحكومة.
في هذه الأثناء، تنقل عدد كبير من الشبان من المناطق الداخلية الى العاصمة لحضور الجنازة، وخاصة من المناطق الفقيرة والمهمشة مثل قفصة والقصرين وجندوبة وسليانة. كما شارك طلبة الاتحاد العام لطلبة تونس في هذه الجنائز، إذ كان بلعيد أحد القياديين التاريخيين للاتحاد ومن مهندسي المؤتمر ١٨ الخارق للعادة الذي أنهى هيمنة السلطة على الاتحاد.

بحث تحقيقي

من جهة ثانية، أعلنت وزارة العدل في بيان رسمي أنه تم الإذن بفتح بحث تحقيقي ضد ١١٤ شخصاً يُشتبه في صلتهم بالاضطرابات التي عرفتها تونس بعد هروب الرئيس زين العابدين بن علي، وسقوط نظامه. ويستند هذا البحث الى التصريحات التي أدلى بها وزير الداخلية الأسبق فرحات الراجحي، على شاشة «هنيبعل» (قناة خاصة) مساء ١٥ كانون الأول ٢٠١٢ في برنامج «الصراحة راحة».
توقيت إثارة هذا الدعوى قد يكون على علاقة بالجدل حول قانون «تحصين حماية الثورة»، الذي يستهدف منع آلاف المسؤولين في النظام السابق من المشاركة في الحياة السياسية وتولي أي خطة إدارية في الدولة، وتشمل قائمة المستهدفين بهذا القانون كل المسؤولين في الحزب الحاكم سابقاً من «الشعبة» (أصغر الهياكل) الى «الديوان السياسي».
وقد عارضت المعارضة بكل أطيافها هذا القانون الذي أحدث انقساماً في الشارع التونسي، واعتبرته عدة أحزاب ومنظمات قانوناً يتعارض مع مبدأ أساسي في حقوق الإنسان، وهو الحق في المشاركة في الحياة السياسية.