رغم هول الخسائر الاقتصادية والاجتماعية التي لا تزال يوميات الحرب تسجلها على حساب السوريين، لم تطوَ بعد صفحة ما قبل العام 2011. فمن جانب، هناك جذور اقتصادية واجتماعية لنشوء الأزمة تعود إلى تلك المرحلة، يفترض تحليلها وتفكيكها في سياق البحث عن حل جذري، ومن جانب آخر، فإن الحديث عن أي عملية لإعادة الإعمار لا يمكن أن يتم من دون البناء على ما سبق.
في تقريره السنوي الثاني غير المنشور، والذي حصلت «الأخبار» على نسخة خاصة منه، يسلّط الجهاز المركزي للرقابة المالية الضوء على جانب أساسي من عمل مؤسسات الدولة قبل الأزمة وخلالها. صحيح أن الجهاز يتحدث في تقريره لعام 2014، بلغة مهنية تتوافق مع مهماته ومسؤولياته، إلا أن ما خلص إليه «يفضح» بشكل غير مباشر سياسات اقتصادية وإدارية، تتحمل جزءاً من مسؤولية نشوب الأزمة، كما أنه يشرح بعضاً من تداعيات الأزمة على اتجاهات الفساد الحكومي، والمخالفات المرتكبة في المؤسسات العامة.

ما وصلت إليه اليد

خسائر ضخمة في منشآت حكومية منذ مرحلة ما قبل الأزمة

يعترف الجهاز بتراجع عدد القضايا والملفات التي خضعت لتحقيق مفتشيه خلال عام 2014، مبرراً ذلك بالظروف التي تمر بها البلاد، وما فرضته من صعوبة الوصول إلى المناطق الساخنة، والتي على ما يبدو أنها «تعج» بالمخالفات والتجاوزات المالية، إذ إن معظم مستودعات ومخازن وخطوط إنتاج المعامل والمنشآت الحكومية في تلك المناطق نهبت وسرقت وحرقت، وذلك تم إما في إطار التدمير الممنهج لممتلكات الدولة، أو بفعل التواطؤ وعمليات النهب التي شاعت.
بالأرقام، يكشف الجهاز عن قيام مفتشيه بالتحقيق في 86 قضية، تبيّن على أثرها ضياع أو اختلاس أو خسارة ما يقرب من 424 مليون ليرة. ومقارنة بالسنوات السابقة، يلاحظ أنه رغم أن عدد القضايا كان أكثر، إلا أن قيمة المبالغ الواجب تسديدها كانت أقل باستثناء العام 2012، الذي بلغ فيه عدد القضايا التي تم التحقيق فيها نحو 166 قضية، خلص منها المفتشون الماليون إلى وجود ضياع أو اختلاس أو مخالفات قدرت قيمتها بأكثر من 796 مليون ليرة، في حين سجل العام 2013 التحقيق في 90 قضية، قدرت قيمة مخالفاتها بنحو 267 مليون ليرة. وتتضمن مخالفات العام 2014 أكثر من سبع حالات اختلاس لرواتب عاملين وتعويضات وأموال عامة، وعمليات تزوير شيكات وتواقيع عاملين وأوراق امتحانية، وصرف تعويضات من دون وجه حق وغيرها.
تتوزع المخالفات المكتشفة نتيجة التحقيق في القطاعين الإداري والاقتصادي على 16 وزارة، واتحاد واحد هو الاتحاد الرياضي العام، فيما شملت قائمة الوزارات معظم الوزارات الاقتصادية والخدمية، تصدرتها وزارة الاتصالات لجهة المبالغ المطلوب تسديدها، والبالغة نحو 190 مليون ليرة، تلتها وزارة الإعلام بنحو 61.5 مليون ليرة، وثالثاً جاءت وزارة الإدارة المحلية بنحو 46.5 مليون ليرة، مع العلم بأنها كانت الأولى بعدد القضايا التي جرى التحقيق فيها خلال العام 2014، إذ بلغت نحو 23 قضية.
وفي معرض تدقيقه المالي لما يقرب من 897 دورة مالية للجهات ذات الطابع الاقتصادي، خلص مفتشو الجهاز إلى وجود ضياع أو فوات منفعة أو خسارة قدرت قيمتها بأكثر من 600 مليون ليرة، ومبالغ أخرى بعملات أجنبية. ويوضح الجهاز هنا أن أعماله التدقيقية، التي لم تشمل محافظة الرقة، شهدت هي الأخرى تراجعاً مقارنة مع عدد التقارير المنجزة خلال السنوات السابقة، نظراً إلى صعوبة وصول مفتشيه إلى المناطق الساخنة.

أول الرقص

دخول الجهاز المركزي للرقابة المالية على خط التحقيق بأسباب خسائر الجهات العامة ذات الطابع الاقتصادي، أفضى إلى الكشف عن أرقام «مرعبة» كانت تخفيها الحكومات السابقة، ولا سيما في فترات الحديث عن الإصلاح الاقتصادي، وتطوير القطاع العام قبل نشوب الأزمة. ويبدو أن هذه الأرقام ستكون بمنزلة «أول الرقص»، في ظل استمرار الجهاز التحقيق بأسباب خسائر جميع الجهات الاقتصادية. وهذا يطرح تساؤلات عن جدية السياسات والإجراءات الحكومية التي طبقت قبل الأزمة، واستهدفت كما كان يشاع تطوير أداء القطاع العام، وكذلك عن مصير المبالغ الهائلة، التي صرفت على تنفيذ المشاريع الاستثمارية الحكومية.
فقد أظهرت نتائج 31 تقريراً أعدّها المفتشون خلال العام 2014 في إطار تدقيقهم لنحو 47 ميزانية، تعود في معظمها للأعوام الممتدة من العام 2006 ولغاية العام 2010، أن خسائر 29 مؤسسة وشركة حكومية فقط، وفق الدورات المالية المقدمة منها والمدققة من قبل الجهاز المركزي، وصلت قيمتها إلى أكثر من تريليون ليرة سورية (20 مليار دولار وفق سعر الصرف السائد قبل الأزمة، والبالغ نحو 50 ليرة).
تصدرت وزارة النفط عبر الشركة السورية لتخزين وتوزيع المواد البترولية قائمة المؤسسات والشركات العامة لجهة إجمالي الخسائر المحققة فيها، إذ تؤكد تقارير الجهاز أن خسائر ثلاث دورات مالية (2008 ولغاية 2010) بلغت نحو849.6 مليار ليرة، وذلك نتيجة بيع المشتقات النفطية بأقل من سعر تكلفتها، وزيادة الإنفاق، وضعف السيولة بسبب عدم قيام الزبائن بتسديد المديونية المترتبة عليهم، واضطرار الشركة إلى الاقتراض وتحمل فوائد كبيرة.
في المرتبة الثانية، حلت وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك بإجمالي خسائر وصلت قيمتها إلى 77,2 مليار ليرة، حققتها أربع مؤسسات تابعة للوزارة، خلال ست دورات مالية موزعة على سنوات تبدأ من 2002 ولغاية 2009. وتعزو تحقيقات الجهاز تلك الخسارة إلى عدة أسباب؛ أهمها: ارتفاع أسعار شراء القمح والبيع بأقل من التكلفة، انخفاض عمر الآلات، وجود عمالة فائضة وتحمل المؤسسات نفقات المحافظة على المخازن من التلف، وانخفاض حجم الإيرادات السنوية ومعدل الربح وعدم القدرة على المنافسة.
وزارة الكهرباء جاءت في المرتبة الثالثة بإجمالي خسائر وصلت قيمتها إلى نحو 67.2 مليار ليرة، حققتها خمس شركات كهربائية في المحافظات ولسبع دورات مالية ممتدة من العام 2006 ولغاية العام 2011، وذلك نتيجة ارتفاع سعر شراء الطاقة، وارتفاع نسبة الفاقد وأعباء الاهتلاكات، فضلاً عن ارتفاع فوائد الاستثمار ومصاريف الصيانة وضعف الاستجرار الصناعي والتجاري.




1.9 مليار ليرة في وزارة الإعلام

من اللافت أن مؤسسة واحدة في وزارة الإعلام بلغت خسائرها خلال ثلاثة أعوام (2010،2009 ، 2008) نحو 1.9 مليار ليرة لتكون بذلك في المرتبة الرابعة لجهة الخسائر المدققة من قبل الجهاز خلال العام 2014، وهي خسارة بررها المفتشون بارتفاع تكلفة طباعة الصحف مع ثبات أسعار بيعها، وارتفاع كمية الأعداد المرتجعة وبيعها لصالح شركة توزيع المطبوعات، وانخفاض واردات الإعلانات، وتحمل المؤسسة فوائد قرض صندوق الدين العام.
ومع أن الشركات التابعة لوزارة الصناعة، والتي خضعت بعض موازناتها للتدقيق، لم يتجاوز عددها 11 شركة، إلا أن خسائرها المحققة في 17 دورة مالية وصلت إلى نحو 1.453 مليار ليرة، وبحسب تقرير الجهاز المالي فهي خسائر نجمت عن زيادة الرواتب والأجور، وارتفاع تكاليف الإنتاج وتدني المبيعات، وكذلك قدم الآلات وضعف إنتاجيتها، وكثرة الأعطال، وارتفاع أعباء اهتلاك الأصول الثابتة.