القاهرة | ظهورهم فجأة، حديثهم المقتضب، سرية تنظيمهم، تُشعر من يبحث عنهم أنه يبحث عن المجهول. مجرد قناع أسود وقميص أسود، ذلك هو الزي الموحد لمجموعة «بلاك بلوك»، التي شغلت مصر حكومة وشعباً خلال الفترة الماضية، بين من يعتبرها حركة ثورية، وآخرين يرون أنهم بلطجية. «لكن مش أي حد لبس أسود بقى مننا»، يقولها شاب من المنتمين إلى تلك المجموعات التي بدأت بالظهور بكثافة مع الاحتفالات بالذكرى الثانية لثورة 25 يناير.

لقاء أحد أفراد «بلاك بلوك» لم يعد أمراً صعباً. فهم أصبحوا موجودين في كل التظاهرات التي تدعو إليها المعارضة. «مهمتنا حماية المتظاهرات من بطش الإخوان لو قرروا الهجوم على المتظاهرين السلميين»، يضيف الشاب العشريني، قبل أن يؤكد أنهم لا يسعون إلى استخدام العنف، فـ«استراتيجيتنا تقوم على الدفاع عن المتظاهرين وليس الهجوم على الآخرين». لكن عند التعامل الوحشي من جانب بعض أنصار جماعة الإخوان المسلمين وكذلك القمع الأمني للمتظاهرين السلميين «لا بد من الدفاع عن المتظاهرين بأي وسيلة».
الشاب الذي كان يتحدث من خلف قناعه، نفى أن يكون أعضاء «بلاك بلوك» يقدمون على إحراق مؤسسات الدولة وتعطيل عمل بعض المؤسسات كتوقيف حركة مترو الأنفاق وقطع كوبري 6 أكتوبر. وأشار إلى أن الاتهامات الموجهة إليهم مجرد شائعات تنشرها جماعة الإخوان المسلمين بغرض تشويه صورتهم. ولفت إلى أن الهجوم على المؤسسات مجرد حراك شعبي لا أكثر «ليس لنا سيطرة عليه». ويضيف الشاب «إحنا مش ضد مؤسسات الدولة، بل ضد سيطرة نظام معين عليها، وأفضل شيء لضرب النظام الموجود هو ضرب اقتصاده عن طريق تخريب مؤسساته الخاصة وليس العامة».
حديث الشاب تؤكده الصفحة الرسمية لمجموعة «بلاك بلوك» على «فايسبوك» التي تضع من ضمن شعاراتها «نريد إعمار مصر وليس تخريبها». لكن غموض هوية شباب المجموعة يدفع إلى التساؤل عن كيفية تجمّع أعضائها واتصال بعضهم ببعض.
يقول شاب ينتمي إلى مجموعة من البلاك بلوك إن المجموعة بشكل عام ليست مركزية، وكل مجموعة تتكون مما بين 10 أو 50 شاباً يقودها أحدهم، ويجري تكوين كل منطقة وفقاً لقدرة المكوّنين الرئيسين لها على زيادة عدد أعضائها. ويوضح أن كل مجموعة يجري الاتفاق في ما بينها على الخطوات التي ستقوم بها المجموعة، وذلك من خلال صفحة مغلقة لأعضائها فقط على موقع «فايسبوك».
الشاب يؤكد أن إخفاء الشخصية هو الطلب الأول الذي يتعلمه العضو الجديد في «بلاك بلوك»، مشدداً على أن الشخص الذي يكشف وجهه لوسائل الإعلام يكون لا علاقة له بـ«بلاك بلوك».
أما عن طريقة التجنيد في المجموعة، فيوضح الشاب أن موضوع التجنيد في الحركة ليس موجوداً في الأساس، «لأن بلاك بلوك فكرة الناس بتدعي ليها والجماهير بتستجيب عن طريق ارتداء الملابس السوداء والأقنعة أو متستجبش». وأشار إلى أن أعضاء المجموعات يعتمدون في إضافة أعضاء جدد «على أساس الثقة المفرطة، يعني يجري استقطاب العناصر القريبة».
من التهم التي وُجّهت إلى جماعات البلاك بلوك أنهم يحصلون على تدريب وتمويل من أجهزة استخبارات غربية، بينها الاستخبارات الإسرائيلية والإماراتية. وتقول صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي تابعة لجماعات الإخوان المسلمين إن النائب السابق محمد أبو حامد التقى رئيس حزب القوات اللبنانية، سمير جعجع، واستمع منه إلى تجربته في حرب الشوارع، وأن أبو حامد هو من يموّل ويشرف على تدريب تلك المجموعات. تلك الاتهامات أثارت سخرية الشاب الذي التقته «الأخبار»، مشدداً على أن هذه افتراءات «يرددها جهلاء لا يعرفون شيئاً عنا». وأضاف نحن «مجموعة من الأشخاص تجمعوا على فكرة واحدة، وهي أن هذا النظام لا بد أن يرحل الآن وليس غداً، ويعتمدون في تمويلهم على التمويل الشخصي، وأن كل عضو يدفع مبلغاً مالياً لعمل اللافتات أو لغيرها من أنشطة المجموعة».
يؤكد عضو المجموعة أنه شخصياً لا يعرف عدد الأعضاء المنتمين إلى الحركة؛ «كل من يؤمن بالفكرة هو بلاك بلوك ومن الصعب حصر أعدادهم». ويشير إلى أن مجموعته الصغيرة يوجد فيها قرابة 45 شخصاً «أغلبهم كانوا أعضاءً سابقين في حركات ثورية غير معروفة، ويئسوا من المنهج السلمي للثورة، وأيقنوا أنه لا بد من التصعيد لإنهاء النظام الذي يرمّم نظام حسني مبارك ولم يسع إلى إسقاطه كما كان الثوار ينادون في الميادين». ولفت إلى أنهم لا يهتمون بمسألة العمر، والأهم الفكرة نفسها «أعمارنا ما بين 14 و30 سنة، وبيننا فتيات أيضاً».
ويزيد الشاب في كشف بعض الغموض عن هذه المجموعة فيقول إن تجمعهم فيه أعضاء من الطبقات الفقيرة والطبقات الغنية. لكنه يشدد على أن غالبية أعضاء الحركة من الطبقة المتوسطة، قرأوا عن الفكرة العالمية لبلاك بلوك وحاولوا تطبيقها في مصر.
ونظراً إلى ما يحيط بهذه الجماعات من غموض، تزيد الحكايات والأساطير في الشارع عنهم. البعض يحمّلهم مسؤولية انتشار العنف في الفترة الأخيرة، والبعض يرمي على عاتقهم مسؤولية استكمال أهداف الثورة، والقصاص للشهداء. وهناك أيضاً من يرى أن تلك المجموعات ما هي إلا صنيعة الإعلام وليس لها وجود حقيقي على الأرض. فريق آخر يرى أن جماعة الإخوان المسلمين صعدت من تلك الحركة لتكون بمثابة مبرر لها للتعامل العنيف مع المتظاهرين السلميين.