تونس | بدا أن الوضع في تونس يتجه إلى التصعيد بعد أيام من اغتيال القيادي اليساري شكري بلعيد. قيادة حزب المؤتمر من أجل الجمهورية أعلنت أمس أن تراجعها عن الاستقالة جاء استجابة لطلب من بعض القياديين في حركة النهضة الذين طلبوا من الحزب المشاركة في حكومة الائتلاف الوطني التي تتمسك بها إلى حد الآن حركة النهضة، بعد رفض مبادرة رئيس الحكومة الأمين العام للحركة حمادي الجبالي، حسبما ذكر رئيس مجلس الشورى فتحي العيادي في حوار مع إذاعة «شمس أف ام» أمس.

وإذ أكد العيادي رفض الحركة المبدئي لحكومة كفاءات وسحبها للثقة من أمينها العام من رئاسة الحكومة، نشرت حركة النهضة على موقعها الرسمي على شبكة «الفايس بوك» أنها تتمسك بالجبالي أميناً عاماً ورئيساً للحكومة وترفض استقالته من المنصبين تحت أي ظرف.

خلافات النهضة

هذا التباين في الآراء فسّره المتابعون للشأن السياسي في تونس، بأن الصراع بين جناحي النهضة أصبح واضحاً وعلنياً، لكن هذا الصراع لم يُحسم بعد؛ فتراجع حزب المؤتمر كان واضحاً أنه تحت ضغط شق من حركة النهضة، وهو الشق المتشدد الذي يرى في اقتراح الجبالي «انقلاباً أبيض»، فيما يرى شق آخر أنه لا مفر من قبول اقتراح الجبالي؛ لأن البلاد لم تعد تتحمل أزمات جديدة. ويرى هؤلاء أن من شأن قبول مبادرة الجبالي تخفيف الضغط الشعبي والاحتقان ضد الحركة التي تبدو معزولة اليوم في الشارع التونسي.
أما الجبالي فقد أكد أنه لن يستقيل من الحركة التي «تعلّم فيها النضال» و«التي منحها الكثير»، إلا إذا طُرد. وشدد على أنه لن يقدّم حكومته لتزكية المجلس الوطني التأسيسي ما لم يضمن لها غالبية الأصوات وسيضطر إلى تقديم استقالته للرئيس محمد المنصف المرزوقي، ليختار شخصية أخرى. وتعهد تقديم المساعدة لرئيس الوزراء الجديد من أي حزب كان.
ويرشّح بعض المتابعين وزير الصحة الحالي عبد اللطيف المكي، وهو الأمين العام السابق للاتحاد العام التونسي للطلبة، في حالة ما إذا حسمت النهضة موقفها برفض مقترح الجبالي نهائياً. لكن هذا قد يزيد من الاحتقان الشعبي ضد النهضة وحليفيها، وخاصة بعد أن تخلى عنها حزب التكتل من أجل العمل والحريات، الذي ساند مقترح الجبالي.
كذلك ساندته معظم الأحزاب الكبرى مثل الجمهوري والمسار الديموقراطي الاجتماعي والحزب الاشتراكي وحزب العمل الوطني الديموقراطي ونداء تونس.
أما الجبهة الشعبية، فلا تزال تناقش بعض التفاصيل، لكن الأقرب أنها ستلتحق بهذا التحالف خلف الجبالي الذي يلقى مساندة كبيرة من الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد العام للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية (أكبر منظمة لرجال الأعمال الذين يمثلون معطى أساسياً في الحياة السياسية في تونس من خلال سيطرتهم على مفاتيح الاقتصاد).
بالتوازي مع أزمة الحكومة، يثير المجلس التأسيسي الكثير من الاحتقان في الشارع التونسي، في الوقت الذي يرى فيه عدد من نوابه من كتل النهضة والمؤتمر ووفاء وبعض المستقلين، أن استهدافه هو استهداف للشرعية وانقلاب عليها مثلما جاء في بيان رئاسة الجمهورية.
لكن هذه التصريحات لمساندي «الشرعية» استقبلها عدد من الناشطين بكثير من السخرية والاستهزاء على صفحات الفايس بوك، وكذلك بعض وسائل الإعلام؛ إذ إن المجلس لم يفعل شيئاً في ما انتُخِب من أجله، وهو الدستور بعد نحو عام ونصف. وشهدت ساحة المجلس التأسيسي أمس وقفة احتجاجية قادتها المحامية الناشطة الحقوقية بسمة الخلفاوي، أرملة الشهيد اليساري شكري بلعيد.

اتهامات متبادلة

في انتظار حسم هذه الملفات السياسية، يتواصل الجدل القضائي حول اغتيال بلعيد؛ فقد قدم أمس عضو المكتب التنفيذي للصحافيين التونسيين زياد الهاني، معلومات «خطيرة جداً» لقاضي التحقيق، لكنه رفض المثول أمام وكيل الجمهورية بعد تدخل المحامين الذين عدّوا الإجراء غير قانوني، لأنه لم يتلقّ دعوة للمثول أمامه.
وقال محاميه فوزي بن مراد (المحامي الذي كان وراء حل التجمع الدستوري الديموقراطي) إن وكيل الجمهورية ليس من حقه الاستماع إلى الهاني ما لم يوجه له دعوة على عنوانه المهني أو الشخصي. وتجمّع المحامون والصحافيون لحماية الهاني في الوقت الذي انتشرت فيه قوات مكافحة الإرهاب حول المحكمة إلى أن اضطر وكيل الجمهورية إلى التراجع.
وفي السياق نفسه، أعلن المجلس الوطني لشبكة تونس للحقوق والحريات والكرامة، تكوين لجنة من المحامين لتتبع كل من حرّض وأساء بصفة علنية إلى الشهيد بلعيد خلال الستة أشهر الأخيرة، في الوقت الذي تشكلت فيه هيئة الدفاع عن بلعيد وتتبع القتلة.