تونس | تطورات لافتة وسريعة تشهدها تونس بعد أيام على اغتيال القيادي اليساري شكري بلعيد. فها هو زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي يعلن في تصريح إلى وكالة «رويترز»، بعد لقائه السفير الأميركي لدى تونس جاكوب والس،

أن الحركة قد تغادر الحكم نهائياً إذا تمسّك أمينها العام، رئيس الحكومة حمادي الجبالي، بحكومة التكنوقراط، فيما قام الأخير بتشكيل «مجلس حكماء» من شأنه أن يزاحم المجلس التأسيسي الذي تسيطر عليه «النهضة».
وتم تأسيس «مجلس حكماء تونس» برئاسة الجبالي وعضوية 16 شخصية هم مجموعة من أساتذة قانون ومؤرخين وسياسيين سابقين. وكان «حكماء تونس» دعوا أمس حركة النهضة الى التعقل وتغليب المصلحة العليا للبلاد، حسبما قال مصطفى الفيلالي المقرر العام لدستور سنة ١٩٥٩ الذي تم إلغاؤه عقب ثورة ١٤ كانون الثاني، وذلك بعد لقائه رئيس الحكومة أمس.
وترى الأوساط السياسية في تونس أن من شأن مجلس الحكماء هذا أن يحدّ من سلطة المجلس التأسيسي الذي تسيطر عليه حركة «النهضة». وتضيف أن «الحكماء» سينافس «التأسيسي» اعتبارياً، وسيفقده الكثير من الأهمية سياسياً.
في هذا الوقت، لم ينته الجدل في الشارع التونسي بشأن مبادرة الجبالي التي تباينت الآراء في شأنها بين مؤيّد ومعارض ومتحفّظ، في الوقت الذي أعلن فيه ٧١ من المستجوبين في آخر استبيان للرأي مساندتهم للمبادرة كحل أخير ووحيد للأزمة السياسية التي تعيشها البلاد منذ شهور، والتي تعمّقت باغتيال الأمين للعام لحزب الوطنيين الديموقراطيين الموحد.
وفي الوقت الذي لا تزال فيه حركة النهضة تحاول تحويل وجهة الحكومة الجديدة من «الكفاءات» الى «كفاءات مع خبرات سياسية» باعتبارها حكومة ائتلاف وطني، أعلنت معظم القوى السياسية في البلاد مساندتها لرئيس الحكومة.
وأعلن الأمين العام لحزب «التكتل من أجل العمل والحريات»، رئيس المجلس الوطني التأسيسي، مصطفى بن جعفر، أمس، مساندته الكاملة لمبادرة رئيس الحكومة و«وضع وزراء الحزب على ذمته». ودعا الى المصالحة الوطنية وتغليب المصلحة العليا للبلاد، مؤكداً ثقته بأن تنتبه قيادة النهضة الى المخاطر المحدقة بالبلد، والتي تستدعي مساندة حكومة كفاءات لتجاوز الاحتقان في الشارع ولملمة جراح تونس.
وبعد التحاق التكتل بتيار المساندين لرئيس الحكومة، لم يبق مع النهضة إلا حزب المؤتمر وحركة وفا المنشقة عنه مع بعض المستقلين في المجلس التأسيسي. وبحسب عدد من المتابعين للشأن السياسي التونسي، فإن العائق الذي يواجه الرافضين لحكومة الجبالي الجديدة لا يتعلق بعدد الأصوات في المجلس التأسيسي فقط، بل أساساً بالمزاج الشعبي العام، إذ إن مجمل مكونات المشهد السياسي والنقابي والحقوقي والثقافي والإعلامي تساند الجبالي، وبالتالي فإن أي مبادرة أخرى تعارضه ستكون معزولة.
فمن يساند الجبالي الاتحاد من أجل تونس بأحزابه الخمسة (الجمهوري _ المسار الديموقراطي الاجتماعي _ نداء تونس _ الحزب الاشتراكي وحزب العمل الوطني الديموقراطي) والتحالف الديموقراطي وبعض الأحزاب الصغيرة الأخرى.
حتى الجبهة الشعبية، رغم تحفّظاتها الشكلية على المبادرة، فالمرجح أن تلتحق بمساندي الجبالي، خاصة أنها كانت من أول الذين دعوا الى حكومة كفاءات وطنية، وكذلك حركة الشعب (ناصريون).
وإلى جانب الأحزاب، يلقى الجبالي مساندة قوية من المنظمات الكبرى مثل الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الفلاحين والصيد البحري واتحاد الصناعة والتجارة. كذلك تساند مبادرته المنظمات المهنية مثل جمعية القضاة والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان. لكن الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، سامي الطاهري، الوجه اليساري البارز، قال إن الاتحاد يضع شروطاً لمساندة المبادرة بالاتفاق مع عمادة المحامين ورابطة حقوق الإنسان، وأهمها حل رابطات حماية الثورة وتفعيل المحاسبة ومكافحة الفساد ووضع خريطة طريق سريعة وناجعة لتنظيم الانتخابات.
أمام هذه الخريطة السياسية الجديدة التي صاغتها جريمة اغتيال بلعيد، ومع تنامي المخاطر الأمنية خاصة بعد تسريب أخبار عن عودة المسلحين التونسيين من سوريا، ينحاز الشارع التونسي والبسطاء إلى مبادرة الجبالي لأنها تضمن الحفاظ على الشرعية ووقف المحاصصة الحزبية التي خرّبت البلاد.
من ناحية أخرى، يعيش التونسيون هاجس تكرار السيناريو الجزائري في بلادهم، ما يجعلهم يتمسكون أكثر بمبادرة الجبالي الذي كثّف مشاوراته مع القوى الأجنبية والوطنية. والتقى رئيس الحكومة أمس سفراء الجزائر والمغرب ومصر وعدداً من «حكماء تونس»، إضافة إلى قائد أركان الجيوش الجنرال رشيد عمار.
في سياق آخر، تتقدم التحقيقات في جريمة اغتيال بلعيد، إذ نجحت الأجهزة الأمنية في رسم صورة تقريبية للمشتبه فيهم في جريمة الاغتيال. واستدعت النيابة العامة مجموعة من الشخصيات للاستماع إليهم كشهود، مثل رئيس الهيئة السياسية للحزب الجمهوري نجيب الشابي، والصحافي سفيان بن فرحات. وحسب آخر التسريبات، فإن المسدس الذي استعمل في الجريمة من نوع «كولت» الأميركي الصنع تستعمله وزارة الداخلية.
بدورها، قامت أرملة الشهيد شكري بلعيد بزيارة لأرملة رجل الأمن، لطفي الزار، الذي قتل خلال الاحتجاجات التي اندلعت بعد اغتيال بلعيد. ووصفت الزيارة بأنها دعوة للمصالحة الوطنية، وتؤكد ضرورة حيادية المؤسسة الأمنية.
الساعات المقبلة ستكون حاسمة في المسار السياسي التونسي. فهل تتراجع حركة النهضة وتساند مبادرة أمينها العام بوضوح وبلا تردد أم ينتكس المسار مرة أخرى في بلاد تواجه أزمة اقتصادية خانقة ومخاطر أمنية؟