نيويورك | عندما عقد مؤتمر الكويت في نهاية الشهر الماضي، هلّلت الأمم المتحدة والدول الخليجية لحجم التجاوب الذي حظي به نداء الأمم المتحدة لمساعدة الشعب السوري المنكوب. حدّد حجم الحاجة بمليار وخمسمئة مليون دولار. إنّه واحد من أكبر نداءات المساعدة الإنسانية في تاريخ الشرق الأوسط. تعهدت دول عربية وأجنبية بأكثر من المبلغ المطلوب. الكويت والسعودية والإمارات تعهدت، وحدها، بدفع 900 مليون دولار، مقسّمة على 300 مليون من كل منها.

المؤتمر عقد في 30 كانون الثاني الماضي، حين كان مئات آلاف النازحين السوريين في الخارج وملايين المشردين السوريين في الداخل يعيشون أوضاعاً إنسانية في غاية المأساوية. شتاء قارس، ثلوج وأمطار، وعواصف هوجاء، فقدان المأوى والكهرباء والمأكل والماء ومعظم وسائل التدفئة والنقل، أو وسائل الطبابة، إلّا من كان في ضيافة دول أو مواطنين كرماء سواء في سوريا أو خارجها.
جرى الإعداد لمؤتمر الكويت بتأنٍ شديد رغم أن الحاجة كانت أكثر من ملحّة. وكان مستغرباً أن يتأخر عقد المؤتمر كل هذه المدة، والأردن ولبنان يغرقان في مشاكل تدفق النازحين الذين قارب عددهم في هاتين الدولتين، الضعيفتين مادياً، نصف مليون نسمة. أما دول النفط الغنية فليس لديها تاريخ في استقبال النازحين يجعلها تبني عليه.
لكن مجمل الصحف العربية والأجنبية تحدثت عن الكرم الخليجي الكبير في دعم الشعب السوري. كرم تجلى حتى الآن في نقل المسلحين من شمال أفريقيا واليمن والسعودية والكويت والإمارات إلى سوريا عبر تركيا والأردن. لكن الأمر عندما يتعلق بالمواطن السوري الفقير نجده مختلفاً كلياً.
بعد أقل من مرور أسبوعين على مؤتمر المانحين، سألت «الأخبار» الأمم المتحدة عمّا دُفع حتى الآن وما ينتظر الدفع. وجاءت الإجابة مرتبكة على لسان الناطق الرسمي للأمين العام، مارتن نيسيركي. وبدا أنه يودّ أن يُسأل هذا السؤال لكي يكشف الصعوبات التي تمر بها المنظمة في تلبية احتياجات السوريين. وقال: «سؤالك مهم جداً. كثيراً ما قيل إن مؤتمر التبرعات هذا كان في غاية الأهمية. المبالغ التي تم التعهد بها كانت كبيرة جداً. بل إنّ المبالغ التي طلبت تمت تلبيتها، وفوق ذلك تم التعهد بأكثر مما طلب. لكن العبرة بالطبع هي في ترجمة التعهدات إلى مبالغ نقدية. أعلم أن زملائي في مكتب الشؤون الإنسانية يتابعون ذلك، وآمل أن يساعدوك في التفاصيل، إذ ليس لديّ أي معلومات محددة».
ولدى سؤاله عن صحة معلومات تحدثت عن أنّ السعودية والإمارات سحبتا تعهداتهما، ردّ نيسيركي بأنه لا يملك إجابة عن ذلك. «الأخبار» حصلت من مكتب تنسيق المساعدات الإنسانية التابع للأمم المتحدة (أوتشا) على قائمة بالدول المتبرعة، ويستطاع عبرها فضح الدعاية الكاذبة التي روّجتها الأمم المتحدة ووسائل الإعلام العربية والغربية عن الكرم «الحاتمي» لدول الخليج النفطية، وحتى لدول غربية تتباكى ليل نهار على السوريين المساكين.
فحتى 11 شباط، أيّ مساء الاثنين الماضي، وصلت تعهدات الرياض إلى 78 مليون دولار، وليس 300 مليون دولار كما روّج لها. وكم سدّد من هذا المبلغ العاجل لمنظمات الإغاثة مثل برنامج الغذاء العالمي، ومنظمة الصحة العالمية، واليونيسيف، وغيرها من المنظمات الإنسانية بما فيها «الأونروا» المعنية بمساعدة اللاجئين الفلسطينيين، الذين شردتهم الأزمة السورية؟
حسب تقرير «أوتشا»، قدّمت الرياض مليونين ومئة وسبعة آلاف دولار (2.107 مليون دولار) فقط لا غير. هذا المبلغ دفع لمنظمة الصحة العالمية وليس للنازحين في مخيم الزعتري في الأردن، أو للنازحين في لبنان. وفي معلومات من مصادر أممية موثوقة أنّ السعودية قالت مبرّرة تقليص المبلغ إلى 78 مليوناً، إنها دفعت في السابق تبرعات، ويبقى فارق الـ300 مليون مجرد 78 مليون دولار. متى تسدد المبلغ المتبقي؟ لا أحد يستطيع تقدير ذلك، لأنّه يحتاج إلى «مشيئة ملكية».
البحرين زجّت اسمها بين الدول المحسنة، وتعهدت بدفع مبلغ عشرين مليون دولار، لكنها لم «تتصدّق» بدولار واحد منها حتى الساعة.
الإمارات العربية المتحدة كانت على رأس المتعهدين بالتبرع. من أصل 300 مليون دولار تبرعت حتى الآن بمبلغ 12 مليون دولار، موزعة على النحو الآتي: مساعدات عينية من الهلال الأحمر الإماراتي بقيمة 200.381 ألف دولار للنازحين في مخيم اليرموك. هذه المساعدات كانت على شكل وقود وأغذية، نقلت عبر مكتب الهلال الأحمر في الأردن. الشيء نفسه كرر وبالقيمة نفسها للنازحين الفلسطينيين من مخيم اليرموك ممن وصلوا إلى لبنان. ودفعت الإمارات خمسة ملايين دولار أخرى، من أصل مبلغ 12 مليون دولار، للنازحين السوريين الذين تضرروا من العاصفة الثلجية في الأردن. كذلك تم تقديم مبلغ 6.073 ملايين دولار للخيم والمساكن الجاهزة للنازحين في الأردن، عبر مؤسسة خليفة بن زايد آل نهيان بصكّ قدّم عبر سفارة الإمارات في عمّان.
الكويت تعهّدت بدفع 280 مليون دولار، دفعت منها حتى الآن 20 مليوناً على النحو الآتي: مليونا دولار كأغذية عاجلة للمشردين السوريين داخل سوريا عبر برنامج الغذاء العالمي، ومليون دولار لإيجاد مأوى لهم. المجموع ثلاثة ملايين دولار داخل سوريا لا يمكن أن توقف انهيار النظام. وهناك مبلغ عشرة ملايين دولار من ضمن مبلغ العشرين مليوناً دفعت إلى منظمات عديدة تحت بند «تخفيف المعاناة عن الشعب السوري»، ولا يستطيع أحد معرفة كيف تُصرف، بشراء مسكنات للصداع أم على الدعاية والإعلام؟
بدورها، قطر لم تتعهد بشيء للسوريين في مؤتمر الكويت! وبالطبع لم تساهم في أيّ من برامج مساعدات الأمم المتحدة، بأيّ مبلغ حسب «أوتشا». فرنسا تعهدت بأقل من عشرة ملايين دولار، لكنها لم تسدد شيئاً منها حتى الآن، بينما لم تتعهد ألمانيا بشيء، لكنها دفعت 5.3 ملايين دولار معظمها للنازحين السوريين في لبنان ولفلسطينيي مخيّم اليرموك النازحين، أيضاً، إلى لبنان. كندا، من جهتها، تعهدت بالتبرع بـ25.2 مليون دولار، ولم تدفع شيئاً منها بعد.
وفي المجموع العام لم يسدّد من المبلغ الإجمالي الموعود في مؤتمر الكويت سوى 350.847 مليون دولار. وبقيت التعهدات غير المؤكدة بقيمة 1.263 مليار دولار.