سياسات «التقشف» التي انتهجها الحكم الجديد تحت وطأة انهيار أسعار النفط المستمر منذ حزيران 2014، والتي قادها ولي ولي العهد، محمد بن سلمان، مثّلت قطيعة مع ما ألفه السعوديون طوال السنين الماضية. ويجدر الإنتباه إلى أن الجيل الفتي من السعوديين، الذي يمثل النسبة الكبرى من المجتمع، هو الأكثر تأثراً بصدمة التحوّل السريع، حيث ضاقت الفرص أمام أفراده للحصول على المنح الدراسية الجامعية، كما ضاقت أمامهم فرص العمل في القطاع العام، فاصطدموا بمتطلبات «سوق العمل» لدى القطاع الخاص، التي أخفق التعليم العام بإعدادهم لتلبيتها؛ فوجد هؤلاء أنفسهم في منافسة غير متكافئة مع العمّال المهرة الأجانب، الأفضل إعداداً والأقل أجراً.
ستنفد المياه

الجوفية في المملكة خلال 13 عاماً


أما حديث المسؤولين السعوديين عن أن انهيار أسعار النفط مثّل «فرصة» لتطبيق السياسة الجديدة، التي شهدت البلاد محاولات لتفعيل بعض عناصرها في السنوات الماضية (تحت ضغط البنك الدولي خاصة)، فهو من قبيل المكابرة، في أحسن الأحوال. في مؤشر ذي مغزى، خفّضت مؤسسة «ستاندارد آند بوورز» قبل أيام التصنيف الإئتماني للمملكة درجتين، للمرة الثانية خلال 4 أشهر، قائلة إن «انخفاض أسعار النفط سيكون له أثر كبير ودائم على المؤشرات المالية والإقتصادية للسعودية، نظراً لاعتمادها الكبير على (ريع) النفط».
ولا يخفى على أحد أن التصنيف الإئتماني يعكس مختلف المخاطر التي تحيط بالبلاد، وبينها المخاطر المرتبطة بالحرب_ والمملكة تخضوض حروباً عديدة في المنطقة، مباشرة وبالواسطة_ ومخاطر اهتزاز الأمن الإجتماعي، في بلد يصدّر التطرّف الديني، و70% من سكانه دون سن الثلاثين، أي في الفئات العمرية الأكثر استعداداً لخوض الصراعات، بمختلف أشكالها. ويعني خفض التصنيف الإئتماني أن السعودية ستدفع فوائد أعلى مقابل ديونها، ما يوسّع عجز ميزانيتها ويعمّق أزمتها المالية، فيما هي تصرّ على زيادة إنفاقها العسكري والأمني على نحو فلكي، وتزداد تهوراً في مغامراتها، ما يرفع المخاطر حتى أكثر.
وينقل الكاتب في مجلة «بزنس إنسايدر»، مايلز أدلاند، عن «ستاندارد آند بوورز» تقدير الأخيرة، في بيان أصدرته يوم الأربعاء الماضي، أن اتفاق المملكة مع روسيا وفنزويلا وقطر على تجميد إنتاج النفط الخام «لن يؤثر على توقع المؤسسة أن تراوح أسعار النفط عند معدّل 40 دولارا للبرميل العام الجاري، وبالتالي لن تحسّن من وضع المالية العامة السعودية إلا القليل»، فيما تفترض المملكة في حسابات موازنتها أن يحوم سعر برميل النفط حول 45 دولارا. ويقول أدلاند إن إجراءات السعودية هذه «لاقت آذاناً صماء في السوق وعند المحللين»، ناقلاً عن «ستاندارد آند بوورز» ملاحظتها أن تجميد مستوى إنتاج النفط «من شأنه أن يحصل عند مستويات قياسية، بالنسبة لروسيا والسعودية»، وبالتالي فإن أثر ذلك على الأسعار سيكون محدوداً جداً.
وكان من الإجراءات الإنكماشية السعودية، إلى جانب تجميد مشاريع عامة وفرض أسقف على إنفاق مختلف الوزارات، وخفض الدعم لسلع إستهلاكية رئيسية، خفض الإنفاق على خدمات إجتماعية عدة. ففي قطاع التعليم، قلّصت الرياض برنامج صندوق الملك عبدالله لمنح الدراسة الجامعية في الخارج، الذي موّل دراسة حوالي 200 ألف طالب عام 2015. وبحسب ما كتبت إيفانا كوتاسوفا في موقع «سي إن إن موني»، في التاسع من الشهر الجاري، فإن الحكومة أُجبرت على تشديد شروط مِنَح البرنامج ذي قيمة 6 مليارات دولار، لتقتصر على مرتادي الجامعات المئة الأولى عالمياً. وفيما لم توضح الحكومة حجم الخفض في نفقات البرنامج، أعلنت أن الشروط الجديدة تأتي في سياق مساعيها لخفض الإنفاق الإجمالي على التعليم بواقع 12 في العام الجاري.
وحتى مع الخفض في عدد المتخرجين المحتملين، ينقل الكاتب في صحيفة «نيويورك تايمز»، بين هابارد، تقدير اقتصاديين بأن 250 ألف من السعوديين يدخلون «سوق العمل» سنوياً، لافتين إلى أن جعل هؤلاء «أعضاء فعالين في القوة العاملة هو تحدٍ رئيسي». كمثال على ذلك، ينقل هابارد شكوى عدد من الشبان في معرض للوظائف في الرياض، أن الجامعات المحلية التي تخرّجوا منها فشلت في بناء المهارات التقنية واللغوية اللازمة. والنتيجة، بحسب الكاتب نفسه، أن المملكة فشلت في إعداد شريحة كبيرة من المهنيين، وفي «إرساء ثقافة من العمل الجاد»، لافتاً إلى أن معظم المهندسين والعاملين في القطاع الصحي في المملكة هم أجانب، فيما يغادر الموظفون السعوديون مكاتبهم الحكومية عند الظهر أو حتى قبله. ويضيف هابارد أن نيل الوظائف الحكومية السهلة بات أصعب على الشباب السعودي، مع خفض الحكومة لنفقاتها، وسعيها لدفع المتخرّجين الجدد إلى العمل لدى القطاع الخاص.
وعلى قاعدة أن «المصائب لا تأتي فرادى»، أعلنت هايزل شيفيلد، في مقال نشرته صحيفة الـ«إنديبيندنت» البريطانية أمس، بعنوان «الماء ينفد في السعودية»، أن الأخيرة بدأت فرض ضريبة على استهلاك الماء، وسط تحذيرات من أن المياه الجوفية في المملكة ستنفد في السنوات الـ13 المقبلة، صدرت إثر نشر البنك الدولي تقريراً عن ندرة المياه في العالم. وتحدث الأستاذ في جامعة الملك فيصل في السعودية، محمد الغامدي، عن «نشر تقديرات حكومية تظهر الإنخفاض الحاد في مستوى المياه في المناطق الزراعية»، لافتاً أن ذلك يعني «وضعاً خطيراً تواجهه جميع المحاصيل المستقبلية التي تعتمد على الآبار الجوفية»، علماً أن الأخيرة تمثل نحو 98% من الموارد المائية في المملكة. وفي هذا السياق، تشير صحيفة «الوطن» السعودية إلى أن استهلاك الفرد في المملكة للماء هو من الأعلى عالمياً، حيث يبلغ نحو 265 ليتراً في اليوم، أي ضعف المعدل الأوروبي، فيما أشارت تقارير إعلامية إلى أن ثمة آبارا في وسط المملكة قد جفّت بالكامل. وتجدر الإشارة هنا إلى أن المصدر الثاني للمياه في المملكة، وهو تحلية مياه البحر، مكلف جدا، حيث يعتمد على نحو مكثف على الطاقة. وتنقل شيفيلد عن خبراء سعوديين اعتقادهم أن أزمة المياه ناتجة من قرار عام 1983 لإنتاج القمح في المملكة، مشيرين إلى أنه رغم منع هذه الزراعة الآن، فإن زراعة الأعلاف وأشجار الزيتون والنخيل مستمرة.