تونس | لم تشهد الدبلوماسية الأوروبية والأميركية والعربية المعتمدة في بلاد مهد الربيع العربي، تونس، حراكاً كالذي تعرفه منذ اغتيال الشهيد شكري بلعيد، وإعلان رئيس الحكومة حمادي الجبالي تشكيل حكومة تكنوقراط تكون بديلاً من حكومة المحاصصة الحزبية الحالية.

لكن الموقف الأحدث هو ما أعلنه الجبالي نفسه أمس، من أنه إذا فشل غداً في إقناع رؤساء الأحزاب بتشكيلته الوزارية، فسيستقيل من مهمته، بينما أعلن نائب رئيس كتلة «النهضة» في البرلمان وليد البناني، في المجلس التأسيسي أمس، أن الكتلة ستُسقِط حكومة الجبالي الجديدة.
ففي الوقت الذي يواصل فيه الجبالي مشاوراته مع رؤساء الأحزاب التونسية الكبرى من أجل ضمان أوسع مساندة ممكنة لحكومته الجديدة داخل المجلس التأسيسي وخارجه، يواصل الدبلوماسيون المعتمدون في تونس لقاءاتهم مع رؤساء الأحزاب وكذلك مع رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية المنصف المرزوقي، وبدرجة أقل رئيس المجلس الوطني التأسيسي مصطفى بن جعفر.
ولفت النشاط الاستثنائي للدبلوماسيين المعتمدين في تونس الانتباه، بل حذرّ منه بعض الدبلوماسيين السابقين ممن عملوا في وزارة الخارجية التونسية في عهدي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، معتبرين أن هذا «النشاط الدبلوماسي» لا مبرر له، إذ إن تشكيل الحكومة يبقى شأناً تونسياً ولا دخل لأي جهة أخرى فيه.
أما الجبالي الذي لم يستثن من مشاوراته حتى الأحزاب المحسوبة على النظام السابق، مثل حزب المبادرة، فقد حرص على لقاء كل سفراء الاتحاد الأوروبي المعتمدين في تونس، كذلك التقى السفير الأميركي جاكوب والس وأيضاً سفراء الجزائر والمغرب ومصر واليمن والمملكة العربية السعودية. والتقى أيضاً ممثل الاتحاد الأوروبي، وكذلك مسؤول الانتقال الديموقراطي لبلدان الربيع العربي في الخارجية الأميركية.
في الوقت نفسه، التقى سفراء الاتحاد الأوروبي زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي، كما التقاه السفير الأميركي.
بدوره، يواصل رئيس الحكومة السابق الباجي قائد السبسي، رئيس حركة نداء تونس، استقبال السفراء المعتمدين لدى تونس بشكل متواتر، فيما ينحو منحاه وإن بشكل أقل زعيم الحزب الجمهوري نجيب الشابي.
هذا الحراك الدبلوماسي الذي تعيشه تونس يمكن فهمه في ظل الأزمة السياسية الخانقة التي تعيشها البلاد، حيث تبحث الحكومة عن رسائل طمأنة لشركائها العرب والأوروبيين، إذ تصل المبادلات التجارية مع الاتحاد الاوروبي إلى ٨٠ في المئة من الحجم الإجمالي للمبادلات الاقتصادية.
لكن من جهة أخرى، رأى عدد كبير من التونسيين أن التركيز على «التشاور» مع جهات أجنبية في مسألة وطنية تتعلق بتشكيل الحكومة، إشارة خطيرة إلى انتهاك السياسة الوطنية، خصوصاً أن بعض السفراء أدلوا بتصريحات عقب بعض اللقاءات يمكن إدراجها ضمن التدخل في الشأن التونسي. وكانت تصريحات وزير الداخلية الفرنسي مانويل فالس، نهاية الأسبوع الماضي، ودعوته الى دعم القوى الديموقراطية والعلمانية، قد قوبلت باستهجان كبير حتى من الفئات المحسوبة تاريخياً على فرنسا، إذ اعتُبِرت هذه التصريحات تدخلاً في الشأن التونسي بعد أكثر من ستين عاماً من استقلال البلاد.
في الواقع، بدأت إثارة موضوع التدخل في تونس بعد صعود الترويكا الى الحكم. وقد طُرحِت في البداية بعلاقة مع إمارة قطر التي يتهمها جزء كبير من المعارضة التونسية بالتدخل في الشأن التونسي عبر دعم طرف سياسي ضد آخر. لكن هذا الاتّهام تنفيه الحكومة باستمرار، في الوقت الذي لا تخفي فيه حركة النهضة، أقوى أحزاب الائتلاف الحاكم، «علاقاتها المتميزة» مع الإمارة القطرية التي دعمت الثورات العربية واحتضنتها.
ويبدو أن تشكيل حكومة التكنوقراط سيكون مخاضاً عسيراً، قد تتغير وفقه معطيات المشهد السياسي بشكل كامل. فنجاح الجبالي في تشكيل هذه الحكومة وضمان الغالبية لها في المجلس التأسيسي، يعني عملياً خروج النهضة من الحكم في انتظار ما ستُسفر عنه الانتخابات المقبلة.