ما هو الوطن؟ لعل أفضل توصيف للوطن ما قيل فيه، إنه «المكان الذي إن اضطررت إلى العودة إليه، سيضطر هو إلى قبولك». لكن هذا الوصف قد لا ينطبق على غزة، التي غالباً لا تقبل عودتك إليها، هي أو من حولها. أُسأل دوماً: «هل تشتاق لغزة؟»، جوابي يكون بسيطاً: «لا»، مع استدراك: «إن اشتقت، أشتاق لأهلي فقط». ليس كرهاً بغزة التي عشنا فيها «الحلو والمرّ»، ولكننا نفعل أفضل ما يمكن فعله بصفتنا لاجئين: ألّا ننسى فلسطين. غالبية من في غزة ليسوا أهلها، بل ممن هُجّر أجدادهم وآباؤهم إليها بعد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وجزء آخر كبير لم يولدوا فيها، وهذا أحد أسباب سفرهم لبقاء عائلاتهم ومصالحهم في الخارج.

غزة نفسها لم تسلم من الاحتلال، ولكنها انعتقت من سطوته المباشرة قبل أحد عشر عاماً. ماذا تغير منذ ذلك اليوم؟ باتت كُلفة «الاحتلال غير المباشر» أقل، واستبدل باسمه مفردتان: حصار وحرب. بتنا نسير منذ 2009 ونحن مطمئنون إلى أن المقاومة ستمنع عدونا من تقطيع القطاع الصغير إلى ثلاثة أجزاء، فلا حواجز «نتساريم» و«المطاحن» و«كارني» ستمنعنا، لمّا كنا أطفالاً، من زيارة أقربائنا. كلها باتت أسماء منسية، إلا اسماً واحداً: معبر رفح. لم تستطع المقاومة أن تتعهد لنا بأنها ستجلب إلينا الكرامة، على الأقل قبل التحرير الكليّ. فباتت كل معابر الذلّ الإسرائيلية نسياً منسياً أمام هذا المعبر العربي ــ العربي.
ماذا ننتظر؟ أن تقتل «ولاية سيناء» منّا عشرين في حافلة ترحيل حتى يقتنع المصريون بأننا نعادي «داعش» ولا نوافق مشروع دولتها في سيناء؟ أن نقدم إلى القاهرة طلباً لـ«صك غفران» موقعاً من مليون ونصف مليون (75% من شعب غزة) نطلب فيه مسامحتنا على ما قلناه بحقهم، وقبل ذلك نتناسى ما قالوه بحقنا؟ أن نرسل فريقنا «الفدائي» ليلعب مع «الفراعنة» ويجعلهم يسجلون في مرمانا دستة أهداف... انظروا كيف عاملنا الجزائريون؟ أو نطلب من إسرائيل أو «داعش» أن يسيطروا الحدود بالنيابة عنكم، فالأولى تفتح بعض المعابر لنا، والثاني يمكن أن نتفاهم معه على جزية؟... أو أن ننشر على «فايسبوك» و«تويتر» هاشتاغ: «#يا ريتك سوريّ يا معبر رفح»؟
عيون الناس في هذا المعبر باتت تنظر إلى الأمن الفلسطيني بنظرة متثاقلة. صاروا يتناقلون قصص الوساطات والرشى، ما ثبت منها وما لم يثبت، على أنها حقيقة لا يمكن إنكارها. بتنا حتى نشك في إنسانيّتنا من أجل حقنا بالخروج وبالعودة إلى الجزء الذي قيل إنه تحرّر. لا نريد الهرب من غزة، بل إننا يجب أن نعود إليها، وإلى ما بعدها. من حقنا «غصباً عن أنف أكبر عربيّ» أن نعيش مثل البشر، ونحلم ونسافر.
غزة ليست وطناً، قد تكون «نصف وطن»، لكن هذا حتماً ليس بمعبر. ولزملائي الصحافيين: هذا ليس «محشر رفح»، ولا «عنق الزجاجة»، ولا «بوابة الخروج من السجن»، ولا «جحيم الصيف» ولا «ستالينغراد» الشتاء. إنه أسوأ من ذلك كله... إنه دهاء العرب وغدرهم وجبنهم، وغباء القريب.