ظلّ العدوان السعودي على اليمن مغيَّباً عن التغطية الإعلامية العربية والعالمية، حتى قبل شهر تقريباً، في وقت كانت فيه الماكينة الإعلامية الخليجية مسنودة بمساحة واسعة من الإعلام الغربي الممول خليجياً والموجه أميركياً تختصر التغطية للأوضاع في اليمن. وترافق ذلك مع حملة قمع الإعلام الآخر عبر حجب قنوات عربية مثل («الميادين، المنار»، «المسيرة»، «اليمن اليوم») عن الأقمار العربية.

حاول الإعلام الخليجي والغربي، تصوير العدوان على اليمن على أنه «استجابة لطلب الشرعية»، في مواجهة «متمردين». وعمدت الماكينة الاعلامية، بغض نظر من المنظمات والجمعيات العالمية المعنية بحقوق الإنسان، إلى التضليل في أعداد الضحايا المدنيين، والتقليل من حجم خسائر البنى التحتية، مع تجاهل الوضع الإنساني الكارثي الذي لحق باليمنيين، بالإضافة إلى التعتيم على الحصار المطبق الذي يفرضه «التحالف» على البلد من الجو والبر والبحر. هذا التعاطي الاعلامي، جعل بعض الدوائر في الغرب، المتفلتة من الضغوط، تطلق على العدوان اسم «الحرب المنسية».
في الشهر الماضي، كان لافتاً الخرق الإعلامي الذي أحدثه العدوان، من خلال خروج عدد لا بأس به، من وسائل الإعلام الغربي والعالمي ومراكز الدراسات البحثية وكتّاب بارزين، لنشر مواد إعلامية تغطي الجرائم السعودية في اليمن. وذهب بعض هؤلاء إلى نشر تقارير عن الوضع الحرج والصعب الذي أوقعت السعودية نفسها به، جراء دخولها إلى «المستنقع اليمني».
وربط بعض هذه التقارير العدوان بحروب الرياض بالوكالة في المنطقة، بالإضافة إلى مأزق الحكم داخل العائلة الحاكمة، معطوفاً على انهيار أسعار النفط لأكثر من ثلثي قيمته عن السنة الماضية، وانعكاس ذلك على الداخل السعودي. وذهب بعض الباحثين في الولايات المتحدة الأميركية إلى الطلب من إدارة البيت الأبيض الاستعداد إلى ما «بعد سقوط آل سعود»، كما جاء في تقرير أعده الكاتبان سارة شايز، المستشارة السابقة لرئيس هيئة أركان القوات المشتركة، وأليكس دي وول، باحث واكاديمي في شؤون عربية وأفريقية. هذا التقرير كشف أن صناع القرار في واشنطن بدأوا بالفعل منذ فترة الاستعداد مرحلة انهيار السعودية.
من غير المؤكد أن الخرق الاعلامي الذي بدأ يحجز مكاناً في الرأي العام العربي والعالمي، والذي يصب في مصلحة القضية اليمنية، سيعقبه خرق في الموقف السياسي، ينتج ضغطاً على السعودية لإجبارها على وقف العدوان. وإن كانت المؤشرات السياسية لا تدل على ذلك، إلا أن استمرار الخرق الإعلامي حالة مفيدة يمكن تثميرها في فضح همجية العدوان وكشف الهدف منه وهو إبقاء اليمن تحت الوصاية والهيمنة.
أدركت السعودية حجم الخطر من التحول الإعلامي وتأثير ذلك في سمعتها وهيبتها الآخذة بالتآكل. فدعا وزير إعلامها، عادل الطريفي، وزراء الإعلام الخليجيين إلى اجتماع وصف بـ»الاستثنائي» في قاعدة الرياض الجوية في 19 من الشهر الجاري. البيان الختامي لوزراء الإعلام تحدث عن أهمية بناء خطة إعلامية تدافع عن جهود دول الخليج خصوصاً، مؤكداً أنها لمصلحة الشعب اليمني والدفاع عن الجهود الإنسانية وشرعية العمل السياسي والعسكري تحت ما يسمى حملتي «عاصفة الحزم» و»إعادة الأمل».
اعترف وزراء الإعلام الخليجيون بالتحول الإعلامي، معتبرين إياه «هجوماً ممنهجاً» يستهدف السعودية والخليج ويرمي إلى التأثير في مجريات الأحداث. قدم الوزير السعودي إلى نظرائه مخططاً للتصدي الإعلامي مطلقاً عليه مصطلح «عاصفة وقائية وعلاجية»، مدعياً أنها لـ»الدفاع عن مصالح الخليج والسعودية وترويج وجهة نظرها في القضايا الاقليمية»، ومتهماً إيران وروسيا و»محور المقاومة» واليسار الغربي بشنّ عاصفة هوجاء لتكوين صورة سوداء عن الخليج.
لا يمكن تصور إمبرطورية إعلامية أضخم من تلك التي تعمل لمصلحة حروب الخليج في المنطقة، بالإمكانات الهائلة التي تواكبها، وبالوسائل التي سخّرت لها، وقد سمحت لنفسها بالخروج عن المهنية والحرفية، واستخدمت سياسات تضليلية وفتنوية وتحريضية يرى الباحثون أنه ليس لها نظير في التاريخ.
برغم ذلك يأتي من الكتّاب في الخليج ليصف الإعلام الخليجي بالضعيف الذي لا صدى له أبداً في الرأي العام المتعطش للمواد التي عادةً ما تكون شحيحة. إن أقصى ما يمكن أن يفعله وزراء الإعلام في دول الخليج هو التعاقد من جديد مع شركات العلاقات العامة خصوصاً في الغرب، واعتماد «دبلوماسية الأموال» معهم والانتقال بين البلدان لتدارك ما يمكن تداركه، وهذا جل ما يمكن تطبيقه في «عاصفة وقائية وعلاجية».