رغم اقتراب انتهاء الشهر الرابع للهبة الشعبية الفلسطينية، فإنه لليوم السابع على التوالي يواصل المعلمون في المدارس الحكومية الفلسطينية إضرابهم في مختلف محافظات الضفة المحتلة، في مفارقة عجيبة لا تدل سوى على عمق مأساتهم التي باتت لا تحتمل التأجيل، بل لم يأبه المعلمون باتفاق توصلت إليه الحكومة و«اتحاد المعلمين العام»، الذي يمثلهم، الخميس الماضي، قائلين إنه لا يلبّي مطالبهم.

ضغوط كبيرة تمارس على المعلمين مصادرها وزارة التربية والتعليم في حكومة رامي الحمدالله، والمؤسسات التابعة للسلطة، وصلت حدّ اعتقال عددٍ من المدرسين في الأيام الأخيرة، إضافةً إلى اعتبار إضرابهم غير شرعي ومسيساً، وذلك ليس من جهة الحكومة فقط، بل من حركة «فتح» التي ينتمي إليها عدد كبير من هؤلاء المدرسين، والتي اتهمت «حماس» بأنها تقف وراء الإضراب.
وهذا الإضراب يشكل سابقةً في الإضرابات التي خاضها المعلمون خلال السنوات الماضية، نظراً إلى حجم الالتزام الكبير الذي يبديه أكبر عدد من المعلمين، في ظل وجود اختلاف كبير بين موقفهم وموقف «اتحاد المعلمين» الذي يفترض أنه ممثلهم الشرعي، إلى حدّ باتت فيه مساجد الضفة تنادي على الطلاب والمعلمين بإعلان الدوام المدرسي وفق تعليمات السلطة. الاختلاف في المواقف بين المعلمين و«الاتحاد» مثّل أحد أسباب انفجار الأزمة الجارية؛ فالمعلمون خرجوا يهتفون بشعاراتٍ تنادي برحيل رئيس «الاتحاد»، أحمد سحويل.
يقول الأستاذ عصام دبابسة، وهو أحد أبرز المعلمين الناشطين في الإضراب، إن «مواقف الاتحاد باتت لا تمثل المعلمين»، مضيفاً في حديث مع «الأخبار» أن «الاتحاد صار ناطقاً باسم الحكومة يبرر لها سياستها... المعلمون يوجهون غضبهم باتجاه الحكومة، وقيادة الاتحاد تتحمّل جزءاً من المسؤولية عن هذا الوضع».

دبابسة : مواقف
الاتحاد باتت لا تمثل المعلمين

ويشير دبابسة إلى أن أسباباً أخرى أدت إلى تصاعد الأزمة في هذا الوقت بالذات، أبرزها «تنصّل الحكومة من آخر اتفاقٍ وقّعته مع الاتحاد عام 2013، وعدم التزامها بتطبيق كافة بنوده، ما أدى إلى تراكم حالة من السخط والغصب لدى المعلمين الذي لم يحصلوا على حقوقهم المنتظرة على مدار السنوات الماضية»، فضلاً عن بقائهم «برواتب متدنية لا تتناسب ومستوى المعيشة» الذي يزداد غلاءً وسوءاً في الضفة.
أما «اتحاد المعلمين» فصار في وضع صعب الآن، فهو منفصل تماماً عن قاعدته، ودعواته التي وجّهت إلى المعلمين في الأيام الماضية لاستئناف الدوام لم تلقَ استجابةً منهم، في وقت يرى فيه أن الحكومة أوفت بالتزاماتها بتوقيعها على الاتفاق يوم الخميس الماضي. ويردّ المتحدث باسم «الاتحاد»، بلال أبو سنينة، بأنه «إذا كان الطرح الآخر الذي يطرحه المعلمون هو قضية الأمانة العامة للاتحاد، فأعتقد أن الاتحاد قد تحدث في هذا الأمر قبل أزمة الإضراب، وتم التعميم على الفروع التي عمّمت بدورها على المدارس للبدء بإجراءات الانتخابات من الفروع وصولاً إلى الأمانة العامة».
وسط ذلك، فإن السلطة ومعها «فتح» يصفان الإضراب بـ«المسيّس وغير الشرعي»، ويوجهان اتهامات واضحة إلى حماس بأن لها دوراً في «تأجيج الإضراب واستغلاله لخدمة مصالحها». وصدر بيان رسمي عن «فتح»، قال فيه المتحدث الرسمي باسمها، أسامة القواسمي، إن «تدخّل حماس في ملف المعلمين تدخّل سلبي يهدف إلى استغلال قضية عادلة لموظفينا ومعلمينا الأجلاء، بهدف النيل من السلطة الوطنية ودفع الأمور نحو الفوضى والفلتان».
لكن تعامل الحكومة الفلسطينية مع الإضراب أحدث جدلاً في الشارع الفلسطيني، خصوصاً بعد الاعتقالات التي شملت عدداً من المعلمين، وهو ما استنكره عدد من المؤسسات الحقوقية، بل رأت فيه انتهاكاً واضحاً للقوانين، إضافةً إلى استغلال المؤسسات الدينية، كالمساجد، في تحريض المواطنين ضد الإضراب، وبدا ذلك واضحاً عبر تعميم نشرته وزارة الأوقاف والشؤون الدينية على خطباء المساجد، دعتهم فيه إلى تخصيص خطبة الجمعة (الماضي) للدعوة من أجل استئناف الدراسة، إضافةً إلى توجيه نداءاتٍ للطلبة عبر مكبرات الصوت في المساجد من أجل الانتظام في مقاعد الدراسة.
على نحو ثان، فإن الصورة التي أثبتت قوة الإضراب، هي قدرة المعلمين على حشد الآلاف بصورة شبه يومية أمام مقر مجلس الوزراء في رام الله ومديريات التربية والتعليم في المحافظات، رغم أن هذا الأمر لم يعد سهلاً في الشارع الفلسطيني خلال الأحداث الجارية، إلى حدّ رأى فيه مراقبون أن الفصائل الفلسطينية في الضفة لم تتمكن في الآونة الأخيرة من حشد أنصارها كما تمكن المعلمون من حشد أنفسهم لتحقيق مطالبهم.
وكان وزير التربية والتعليم، صبري صيدم، قد أعلن قبل أيام أن استمرار الإضراب سيؤدي إلى تأجيل الفصل الدراسي وتأجيل امتحانات الثانوية العامة، وهو ما يقلق الطلبة وذويهم، ويجعل الساعات القادمة حاسمة في هذه القضية، وما يمكن أن يلحقها من تبعات.