القاهرة | في نقطة أمنية بالقرب من مجلس الشورى القريب من ميدان التحرير، يقول أحد الضباط الصغار لـ«الأخبار» «من يتظاهرون الآن ليسوا بثوار، هم بلطجية. أنظر إلى أشكالهم وأنت تتأكد من كلامي». الضابط الذي حاول أن يبدو مقتنعاً بما يقول كرر أكثر من مرة لازمة «أغلبهم يتناول الحبوب المخدرة وأراهم بعيني يدخنون الحشيش»، ليبني على ذلك استنتاجه بعدم تأثر هؤلاء الشباب بالغاز المسيل للدموع وقدرتهم على مواصلة الاشتباكات مع قوات الشرطة لساعات طويلة. ما يقوله الضابط يفسر سر التعامل بقسوة مع من يتم القبض عليهم في التظاهرات. طارق أحمد، أحد الشباب المتنمي إلى جماعة «6 إبريل» وأحد ضحايا التعذيب ما بعد اسقاط مبارك، يسرد ما شاهده في معسكر طره للأمن المركزي. يقول أحمد إنه تم القبض عليه من أمام دار القضاء العالي في وسط القاهرة الأربعاء 30 كانون الثاني 2013. ويضيف «عندما وصلنا إلى مكان الاحتجاز أجلسونا على الأرض وأمرونا ألا يرفع أحد رأسه، ومن كان يخالف التعليمات يضرب على رأسه». ويشير إلى أنهم سمعوا أصوات أشخاص يصرخون ويبكون ويبدو أنهم كانوا يعذبون. ويضيف «بعدها أدخلونا إلى الزنانة، كان بها نحو 30 محتجزاً، بينهم تقريباً 17 مصاباً نتيجة ضرب بالعصي والهراوات». ويحكي أحمد عن أحد المتظاهرين الذين صادفهم في المعتقل، لافتاً إلى أنه كان يجلس في ركن وحيد وجسمه ينزف دماً، وعندما اقترب منه البعض ليساعده رفض وأخبرهم أنه مصاب بـ «فيروس سي»، وسينتقل إليه الفيروس إذا اقترب منه أي شخص مصاب بجرح في جسمه.

بعد فترة من الوقت اقتيد أحمد ومعه محمد خالد من «6 إبريل» وأحمد فوزي، عضو مؤسس حزب الدستور، للتحقيق الذي أجراه معهم أحد الضباط في جهاز الأمن الوطني، أمن الدولة سابقاً. استمر التحقيق، حسب طارق، 5 ساعات تقريباً، وأعادوهم مرة أخرى إلى الزنزانة لينقلوا في صباح اليوم التالي إلى قسم شرطة الازبكية في القاهرة، ومنه إلى النيابة العامة، التي قررت إخلاء سبيلهم، لكنها اشترطت ألا يكونوا مطلوبين في قضايا أخرى. وهو الأمر الذي يستلزم تقريراً من الأمن الوطني وآخر من الامن القومي. وبعد تأخر أحد هذه التقارير أعادوهم مرة أخرى إلى مكان الاحتجاز بمعسكر الأمن المركزي بطره، وباتوا فيه ليلتين أخريين قبل الإفراج عنهم من هناك، بعدما تعرضوا للتهديد بالضرب مرة أخرى، و«عدم الخروج من السجن مدى الحياة».
هذه الحكاية ليست سوى واحدة من بين مئات الحكايات الأخرى التي لا يمر يوم إلا وتخرج احداها إلى النور.
العميد السابق في وزارة الداخلية، الخبير الأمني، محمود قطري، أوضح لـ«الأخبار» أن تعذيب السياسيين في الماضي كان يتم بإشراف مباحث أمن الدولة ومديري الأمن وقيادات الأمن العام، وكانت النيابة أيضاً على علم بذلك «مع ملاحظة غلّ يدها على هؤلاء المحتجزين بموجب قانون الطوارئ». وأضاف «لكن اليوم يقوم رجال الأمن المركزي تلقائياً وبدون طلب من أحد بتعذيب من يقبض عليهم، وهذا يعني فقط أن ما حدث بعد الثورة في جهاز الشرطة، وطريقة العمل بها، نتجت منه آثار خطيرة أهمها تغلغل روح العداء والكراهية للمواطنين في وجدان الشرطي بعد الثورة». ويرى قطري أن الحبس والتعذيب داخل معسكرات الأمن المركزي هو من المضاعفات الخطيرة للتمادي في التعذيب، ولا سيما التعذيب المرتبط بالسياسة. أما مدير المنظمة العربية للإصلاح الجنائي، محمد زارع، فيشير إلى أن ما يحدث الآن مع المتظاهرين الذين يتم القبض عليهم ما هو إلا تجسيد للذي كان يحدث من قبل للإخوان المسلمين في سجون أمن الدولة. وشدد على الحاجة إلى قرار سياسي «ننهي به التعذيب في مصر». لكنه أضاف أن الرئيس محمد مرسي نفسه، هو من قال للشرطة «اضربوا بكل حزم وقوة»، في خطابه الشهير في ذكرى الثورة. ويبدو أن الشرطة نفذت ما قاله الرئيس. ويوضح زارع أن المنظمة تقدمت من قبل بأكثر من 5 بلاغات ضد وزارة الداخلية تتهمها بتعذيب مواطنين حتى الموت، لكن لم تتحرك النيابة العامة وتحقق في الموضوع.
على الجانب السياسي، يرى نبيل عبد الفتاح، الخبير السياسيي في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن تعذيب المواطنين «خروج سافر على مبادئ الشرعية القانونية وحتى الحقوق المختلة التي جاءت في الدستور». وشدد على أن تعذيب المواطنين بالسجون يتناقض تماماً مع قانون العقوبات وقواعد نظام الحبس الاحتياطي، وفي نفس الوقت يعد خروجاً عن قواعد الحد الأدنى في التعامل مع المعتقلين.
كما أشار إلى أن تلك الوقائع تؤكد أن هذا النظام يمارس تعدياً على الشرعية الثورية والقانونية التي خرج من أجلها الشعب والذي مكن الإخوان من الوصول إلى الحكم بعدما كانوا يعتقلون بسجون مبارك. وطالب عبد الفتاح مرسي بأن يراعي الحقوق الأساسية للمواطنين، لافتاً إلى أن استمرار تلك السياسات سيؤدي إلى زيادة الفجوة بين المواطنين وجهاز الأمن ولن تستطيع الشرطة مهما بلغت من قوة أن تحقق الأمن، مادام هذا فكرهم. وحسب الدستور الجديد، الذي تمت الموافقة عليه، فالرئيس محمد مرسي نفسه يعد مسؤولاً عن مثل هذه الأحداث، اذ تنص المادة 199 منه على أن «الشرطة هيئة مدنية نظامية، رئيسها الأعلى رئيس الجمهورية، وتؤدي واجبها في خدمة الشعب، وولاؤها للدستور والقانون، وتتولى حفظ النظام والأمن والآداب العامة، وتنفيذ ما تفرضه القوانين واللوائح، وتكفل للمواطنين طمأنينتهم وحماية كرامتهم وحقوقهم وحرياتهم، وذلك كله على النحو الذي ينظمه القانون، وبما يمكن أعضاء هيئة الشرطة من القيام بواجباتهم».
وإن كان التساؤل مشروعاً حول ما اذا قامت ثورة فعلاً وتغير النظام بعد كل حكايات التعذيب التي يكشف عنها في الآونة الأخيرة، فإن الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي يجيب على هذا التساؤل، الذي يشغل الملايين، بقوله «إحنا ماطردناش مبارك/ ولا حتى حطيناه في سجن/ بص في الجرنال/ مبارك هو.. بس طلعه دقن».




قنابل غاز بـ2.5 مليون دولار

نشرت صحيفة «الغارديان» البريطانية أول من أمس تقريراً كشفت فيه عن انفاق الحكومة المصرية مبلغ 2.5 مليون دولار الشهر الماضي لشراء قنابل الغاز المسيل للدموع، في وقت تعاني فيه البلاد من أزمة اقتصادية. وأوضحت الصحيفة أن وزارة الداخلية لجأت إلى نقل هذه الشحنة على متن طائرة عسكرية، نتيجة وجود نقص في مخزن الأسلحة في الوزارة، ما استلزم استيراد الشحنة على وجه السرعة، ولا سيما أن الشحن البحري يستغرق وقتاً طويلاً. ونقلت الصحيفة عن 21 منظمة حقوقية وصفها القمع الذي تمارسه السلطات بأنه يضاهي ما كان يمارس في عهد الرئيس السابق حسني مبارك.
لكن هذه الانتقادات لم تعرها السلطات بالاً، اذ اعترف المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية في مصر، اللواء هاني عبد اللطيف، بأن الوزارة طلبت منذ ثلاثة أشهر استيراد 140 ألف قنبلة غاز مسيل للدموع بلغت قيمتها 2.5 مليون دولار، ضمن خطة التسليح السنوي للوزارة. وفيما وضع هذه الخطوة في اطار «مواجهة أعمال الشغب والتعدي على قوات الأمن والمنشآت المهمة»، أشار إلى أن «استيراد تلك القنابل جاء ضمن مناقصات علنية، وبهدف حماية منشآت حيوية ومهمة وممتلكات خاصة تقدر قيمتها بالمليارات».