تونس | بدأ رئيس الحكومة المكلف، علي العريض، التشاور مع الأحزاب السياسية لتشكيل حكومته الجديدة، بعدما تم تكليفه رسمياً من الرئيس المؤقت محمد منصف المرزوقي على أثر ترشيح مجلس شورى حركة النهضة له.

ويبدو أن مهمة العريض لن تكون سهلة، إذ رفضت الجبهة الشعبية (ائتلاف أحزاب اليسار) المشاركة في الحكومة أو دعمها. واعتبرت أن هذه الحكومة لن تختلف في شيء عن الحكومة السابقة وهي حكومة «التفاف على الثورة». وجددت الحركة دعوتها لعقد مؤتمر وطني للإنقاذ، يحدد الأولويات المطروحة على البلاد ويرسم خريطة طريق للخروج من النفق. وحملت الجبهة المرزوقي مسؤولية اختيار العريض، في الوقت الذي كان يستطيع فيه أن يختار شخصية أخرى من خارج النهضة حسب الصلاحيات الممنوحة له في «الدستور الصغير».

بدوره، رفض الحزب الجمهوري المشاركة في الحكومة أو مساندتها. ورأت الأمينة العامة للحزب، مية الجريبي، أن النهضة لم تتخلص بعد من فكرة المحاصصة التي كانت وراء فشل الحكومة السابقة. وجددت الجريبي دعوة حزبها الى تحييد الوزارات السيادية. وهو نفس موقف حلفاء الحزب الجمهوري الذين يشكلون جبهة «الاتحاد من أجل تونس» وهم «نداء تونس» و«المسار الديموقراطي الاجتماعي» و«الحزب الاشتراكي» و«حزب العمل الوطني الديموقراطي». وجددت هذه الأحزاب رفضها المشاركة في الحكومة. واعتبرت الجريبي أن علي العريض فشل في الداخلية، وليس من المعقول أن يعاد تكليفه بتشكيل الحكومة، في الوقت الذي كانت فيه الأحزاب تطالب بإقالته.
رفض المشاركة في الحكومة لم يتوقف عند هذه الأحزاب، إذ أعلن حزب التحالف الديموقراطي امتناعه عن المشاركة في حكومة محاصصة حزبية لا تستجيب للأولويات المطروحة اليوم على الشعب التونسي. وحمل الحزب حركة النهضة وحليفها حزب المؤتمر من أجل الجمهورية إجهاض مبادرة حمادي الجبالي، التي كان من الممكن أن تنقذ البلاد.
وإذا كانت هذه الأحزاب السياسية الرئيسية قد رفضت الدخول في الحكومة أو دعمها، فإن مجموعة أخرى من الأحزاب وعدداً من المستقلين يساندون حكومة النهضة الجديدة. وهو ما سيضمن لها الحصول على موافقة ١٠٩ أعضاء في المجلس التأسيسي، أي العدد المطلوب للحصول على تزكية المجلس التأسيسي. ومن هذه الأحزاب حزب المؤتمر من أجل الجمهورية وحركة وفاء المنشقة وكتبة الحرية والكرامة وحزب الإصلاح والتنمية (ليس له مقاعد في المجلس) وبعض الأحزاب الأخرى الصغيرة. أما حزب التكتل من أجل العمل والحريات، فلا يزال متمسكاً بشرط تحييد وزارات السيادة مقابل الدخول في الحكومة. وهو الشرط نفسه الذي أعلنه نائب الأمين العام لحزب المؤتمر عدنان الدائمي.
ويجب حسب الدستور الصغير، الذي ينظم الحياة السياسية، أن تتشكل الحكومة في فترة لا تتجاوز الخمسة عشر يوماً، بدءاً من يوم الجمعة الماضي لتعرض الحكومة على رئيس الجمهورية، ثم تعرض على المجلس التأسيسي لتحوز التزكية. وفي حال فشل العريض، ومن ورائه حركة النهضة في تشكيل الحكومة، سيختار عندها الرئيس شخصية أخرى ليست بالضرورة من النهضة لتشكيل الحكومة الجديدة. وفي محاولة لإنجاح تشكيل الحكومة، تفيد التسريبات بأن النهضة ستتخلى عن وزارتي العدل والخارجية، لكنها لن تتخلى عن وزارة الداخلية التي تثير الكثير من الجدل، ولا سيما بعد تسريب معلومات عن وجود جهاز أمن مواز تابع لحركة النهضة، دون أن يكون له ارتباط مباشر مع الداخلية.
وليست المتاعب السياسية هي التي تواجه العريض، بعدما تسربت أمس معلومات دقيقة عن تزوير في انتخابات مجلس شورى النهضة أفضت إلى ترشيح النهضة للعريض. ووفقاً للتسريبات، أسفرت النتائج عن فوز نور الدين البحيري بأكبر عدد من الأصوات، يليه محمد بن سالم ثم عبد اللطيف المكي، فعلي العريض الذي حاز ١٢ صوتاً، وكان في المرتبة الرابعة. لكن راشد الغنوشي أصر على العريض.
هذه العملية تناولتها أمس المواقع والإذاعات التونسية بالتوازي مع الشريط المصور الشهير لعلي العريض عندما كان في السجن سنة ١٩٩١ والذي يصوره في مواقف غير لائقة. وقد أثار إعادة «إحياء» هذه القضية استياءً عاماً على اعتبار أنه يتنافى مع مبادئ التنافس السياسي.
في غضون ذلك، خرج آلاف التونسيين، أول من أمس، إلى شارع الحبيب بورقيبة في تظاهرة حاشدة غابت عنها الشعارات الحزبية. وتوحدت كل الشعارات ضد حركة النهضة وزعيمها راشد الغنوشي، الذي يتهمه جزء كبير من التونسيين بإدخال البلاد في فتنة قد تقودها الى حرب أهلية. وطالب المحتجون بالكشف عن قتلة المعارض شكري بلعيد، وحل رابطات حماية الثورة، فضلاً عن الإعلان عن موعد الانتخابات والضغط على الأسعار ووضع حد للتسيب الأمني وانتشار السلاح.