حلب | ليس البشر والحجر الضحايا الوحيدين للمأساة السورية. الثروة الحرجية هي الضحية الثالثة التي غابت عن الحديث. انتهت «مربعانية الشتاء» وفق التقويمين الغربي والشرقي، لتنتهي معها حياة ملايين الأشجار الحرجية والمثمرة، التي وقعت هي الأخرى ضحية للحرب الدائرة في سوريا.

«حلاقة على الصفر» تشهدها أحراج حلب وحدائقها منذ شهرين. البرد الشديد وندرة الوقود وارتفاع أسعاره، جعلت تجارة الحطب مزدهرة أكثر من أي وقت في تاريخ سوريا الحديث؛ إذ إنّ خمسة كيلوغرامات من الحطب الرطب تساوي في طاقتها الحرارية ليتر مازوت واحداً. وبلغ سعر كيلو الحطب بين 20 ليرة و35 ليرة، حيث يباع على الأرصفة، وفي محال تجارية حوّلها أصحابها إلى مستودعات للحطب.
الأشجار المنتشرة على الطرقات والغابات الموازية لأوتوستراد حلب ــ دمشق تعرضت لحرائق كثيرة في العام الأول للأزمة، نتيجة قطع المحتجين والمسلحين الطريق الدولية بالإطارات المشتعلة لعرقلة الإمدادات العسكرية. لكن الأضرار الأفدح جاءت مع المناشير الآلية التي تعمل على البنزين، والتي يستخدمها تجار الحطب الذين نمت تجارتهم.
القَطع الذي استهدف الغابات والأحراج العامة، لم يرحم الأشجار المثمرة. وتحولت عشرات الهكتارات من كروم الزيتون إلى هدف لقاطعي الأشجار في ريفي إدلب وحلب، حيث لا يستطيع المزارعون الوصول بسهولة إلى بساتينهم وقطف المحصول بسبب الوضع الأمني المتردي، فيما باتت بساتينهم وجهة للحطابين، الذين يتوافدون معاً ليحيلوا بستاناً كبيراً إلى حطب خلال أقل من ساعة. عبد الحميد، وهو شاب يعمل في التحطيب، يقول: «خلال دقيقتين أو ثلاثة فقط أجعل شجرة السرو أو الصنوبر عشرين قطعة. لكن لا أعمل في قطع الزيتون لأنّه حرام!».
وبحسب مصدر متابع، شملت الأضرار حدائق المدن وغابات الطرق العامة في معظم المحافظات بنسب متفاوتة، حيث لا يمكن حمايتها كلها في الوقت الحالي أو حصر الأضرار بدقة، لكن المشاهدات العينية تشير إلى أن أضراراً كبيرة لحقت بها وعدد الأشجار المقطوعة بالآلاف. وفي المناطق الجبلية الساحلية حيث البرد أشدّ، لم تكن حال الغابات الحرجية الطبيعية أفضل من الغابات الأخرى، حيث استخدم الأهالي، أيضاً، الحطب للتدفئة، بدل المازوت، الذي يسهل الحصول عليه من الأحراج والغابات القريبة من قراهم.
ويقول جورج حلو، وهو من سكان مشتى الحلو بريف طرطوس: «قطع الأشجار ألحق خراباً كبيراً بالبيئة في المنطقة. الأحراج والغابات الجميلة لم تصمد أمام الفؤوس والمناشير، وأمام ندرة المازوت وحاجة الناس إلى الدفء».