مخيم شاتيلا | «زهقنا خلص!» قالها بغضب وكفّ عن الكلام. هكذا كان جواب نادر، ابن مخيم شاتيلا، عندما سألته بإلحاح عن سبب تردد الناس في قبول إجراء مقابلات صحافية للحديث عن مشاكلهم. أعادتني هذه الكلمات إلى المشاهد التي رأيتها في «سوق الرحاب» عندما كنت في طريقي إلى مخيم شاتيلا في زيارتي الأولى. كان السوق الممتد لحوالى مئتي متر، يعجّ بالناس والبسطات المتنوعة: خضر، ألبسة جديدة ومستعملة، أدوات منزلية وكهربائية... وبعين الغريب غير المعتادة المشهد، لم أرَ على امتداد السوق أحداً يضحك أو على الأقل يبتسم! الجميع كانت تعلو وجوههم الجدية وتتميز حركتهم بالبطء والتعب. حاولت التأكد من هذا الأمر... لعلّي كنت مخطئاً، ولكن للصدفة اللعينة كانوا حقاً لا يضحكون ولا حتى يبتسمون! هربت من هذا الشعور الغامر بالإحباط، الذي زادته زحمة المارة، إلى الزواريب المؤدية إلى داخل المخيم، لأجد نفسي في ضيق جديد. هذه المرة لم يكن من المارة فقط، بل من جدران المنازل التي رسمت دهاليز ملتوية، تضيق تارة وتتسع تارة أخرى: الرطوبة تغطي الجدران، طبعاً، في العديد من الزواريب، أسلاك الكهرباء متشابكة جداً، كأن السكان يحاولون اصطيادها بأي طريقة، بعضها يتدلى قريباً جداً من رؤوس المارة. كنت أسير قربها بحذر شديد، بينما الآخرون كانوا يمرون بثقة كبيرة كأنهم اعتادوا هذا الخطر، كما أعاقت السير في الزواريب أنابيب المياه البلاستيكية التي مدّدت بعشوائية متعجلة، فكانت تتلوى صعوداً إلى فوق المنازل أو نزولاً عند أقدام المارة! حتى الأبنية تداخل بعضها ببعض وحجبت أشعة الشمس عن الزوايب الضيقة. كنت أتجول في المخيم ويزداد اقتناعي بأن في كل زاروب وبيت قصة تستحق اهتمام الصحافة. ولكن الثقة بين أهالي شاتيلا والصحافة باتت معدومة، «حكينا كتير بس ما في شي انكتب بصدق» يقول مسعود، أحد سكان المخيم، ويضيف أن الصحافيين يجمعون الكثير من المعلومات عنهم وعن أوضاعهم وآرائهم، ولكن عندما تعرض على الشاشة تكون محرفة أو ناقصة. ويضيف «بطلعوا اللي بدن اياه... وبيمحو الباقي»، كذلك يشير إلى أن هنالك عدداً من الجمعيات الخيرية تمارس عمل الصحافة نفسه، حيث تقوم أيضاً بتصوير وتسجيل الأوضاع المأسوية للفلسطينيين في المخيم بهدف الحصول على المساعدات لهم، لكنها تقوم بتوزيعها لاحقاً بشكل انتقائي، وأحياناً تختفي المساعدة تماماً ولا أحد يعرف أين ذهبت! وبالتالي كان من الطبيعي أن تجد الناس مترددين أو متمنّعين عن التعاطي مع الإعلام بكل أشكاله. على صعيد شخصي، يقول مسعود إنه يعتبر أنه لا يزال هناك أمل لاستعادة الثقة ببعض وسائل الإعلام إذا استطاعت تغطية مشاكل المخيم الكثيرة، كالماء والكهرباء وظروف العمل والمعيشة، إضافة إلى الوضع السياسي والقانوني الصعب للفلسطينيين لدى الدولة اللبنانية، ولكن دون تشويه! كذلك رأى كثيرون منهم، في حديثهم مع «الأخبار»، أن الثقة تتولد من الصدقية وتحقيق النتيجة المرجوة من طرح المشكلة على وسائل الإعلام، وهنا يميز، أحمد، وهو أربعيني، بين جهتين: عربية وأخرى أجنبية، قائلاً «العربي ما بيعطي نتيجة مقارنة بالأجنبية (يقصد الصحافة الغربية تحديداً)، الصحافة الأجنبية برأيه أكثر فاعلية وتقدّم في النهاية فائدة ما، والتقارير الصحافية التي يعدّها هؤلاء عن أوضاع المخيمات وخاصة الظروف المعيشية، تجد من يسمعها لديهم ويبادر إلى تقديم المساعدة، والدليل أن الكثير من العائلات والأفراد في المخيم استفادوا منها طبياً وتعليمياً، بينما وسائل الإعلام العربية لا تقدم المساعدة أو الحلول (!!) حتى إن الكثير منها لا يحترم الحقيقة.

وفي سياق حديثه عن الصحافة العربية، يستدرك كأنه تنبّه إلى مسألة مهمة «الإعلام الفلسطيني ممكن يجيب نتيجة لأنه يصل إلى القيادة، ولكننا لا نراه إلا في المناسبات» يقول.
أما نادر، فقد ركّز في حديثه على جدوى الصحافة بالنسبة إلى حياة الفلسطينيين داخل المخيمات: فظروف معيشتهم معروفة للجميع، وطرحت مراراً على شاشات القنوات الفضائية، والجميع يعرف أنهم محرومون من العمل في الكثير من الوظائف بحكم القانون في لبنان، وآخرها قانون التملك الذي حرمهم من ملكية حتى منازلهم التي يقطنونها، كما أن طريقة حياتهم وظروف معيشتهم داخل المخيمات، يعلمها أيضاً الجميع، تكدّست البيوت داخلها كعلب الكبريت وتضيق بسكانها يوماً بعد يوم، والكثير من المسؤولين اللبنانيين زارونا ووعدوا بتقديم حلول حقيقية لأوضاعنا، مع الوقت ذهبت كلها أدراج الرياح، والصحافة عندما تأتي إلى هنا تقوم بتذكيرهم بمعاناتهم التي يرغبون في نسيانها «يصوّرون أين نسكن وكيف نعيش ويسألوننا عن مشاكلنا، ثم يتركونا نعيش أوجاعنا من جديد، ويغادرون من دون أن نحصل بعدها على أي تغيير ملموس في أوضاعنا، وفي النهاية، يكون هذا العمل بالنسبة إلى الصحافي مجرد «بزنس» هو الوحيد الذي يستفيد من نكء هذه الجراح، وهذه المعاملة من الجميع هنا، لا تليق بمن شارك الشعب اللبناني قصة الصمود الجبار في حصار بيروت وتصدّى معهم للاجتياح الإسرائيلي»، يختم كلامه كمن فُتح أحد جراحه العميقة من جديد، فيقول بغضب «خلص زهقنا... ما بدنا صحافة!».




زادت في الأونة الأخيرة جولات الصحافيين، وخاصة القنوات الفضائية، في مخيمات لبنان لمتابعة أوضاع النازحين الفلسطينيين من سوريا، الذين وصلت أعدادهم بحسب إحصاءات اللجان الشعبية الى 6000 عائلة، كان نصيب مخيم شاتيلا والمناطق المحيطة به منها 500 عائلة، إضافة إلى الآلاف من السوريين الذين سكنوه بوتيرة متسارعة مع تصاعد الأحداث الدموية في بلادهم، ووسائل الإعلام في اختبار جديد أمام هؤلاء: فهل تقدم معاناتهم بشكل يدفع المسؤولين والمعنيين على اختلافهم إلى الاهتمام بها والتفاعل معها؟