رام الله | حين بثت وسائل الإعلام الخبر، كان الناس مشغولين بمتابعة مباراة مانشستر يونايتد وريال مدريد. خبر كان له صداه في «مقهى رام الله»، وهو مقهى صغير في آخر شارع بنت جبيل، له طابع خاص؛ لأنه ــ بطريقة ما ــ يجمع الطبقتين: المثقفة والرأسمالية الجاهلة، من سكان المدينة. وللمصادفة، كان هذا المقهى شاهداً على اغتيال العديد من أعلام المقاومة الفلسطينية. ويذكر الناس حينها وقوف هوغو تشافيز للقول: «كم هو جبان جيش إسرائيل وهو يواجه شعباً مرهقاً وبريئاً ويتفاخر بأنه يدافع عن بلاده».


وفي عام 2009، ندد تشافيز بإسرائيل بعد عملية «الرصاص المصبوب» في قطاع غزة، وطرد السفير الإسرائيلي. وقفة لم يقدم عليها أي من زعماء العرب «أصحاب القضية».
انتشر الخبر سريعاً، وبدا الشارع الفلسطيني وقد ارتدى حزناً عفوياً انتشر على شبكات التواصل الاجتماعي قبل أن تجتمع القوى والفصائل الفلسطينية في مشهد نادر في «ساحة الجندي المجهول» وسط قطاع غزة لترسل تعازيها إلى الشعب الفنزويلي برحيل قائده. وقال وسام الفقعاوي: «هذا هو هوغو. لطالما اقترن ذلك الوجه اللاتيني الدائري الأسمر بصورة تشي غيفارا في معلقات الحائط وفي الشوارع. هكذا هم الثوريون لا يموتون أبداً».
وقبل أقل من عام، عبّرَ «هوغو» عن «فلسطينيته» بطريقة نبيلة، حيث أعطى امتيازاً خاصاً للفلسطينيين بإلغائه تأشيرة الدخول لمواطني هذا البلد المظلوم، تضامناً معهم. وأصبح بإمكان كل فلسطيني دخول فنزويلا بلا «فيزا». والمقارنة تفرض نفسها بينه وبين «الأخوة العرب»، وخاصة الزعماء الذين رفضوا زيارة فلسطين وقاطعوها بحجة أن جوازات سفرهم ستختم بختم إسرائيلي عند الدخول والخروج.
كيف لا يعدّ الفلسطينييون هوغو تشافيز قائداً وطنياً، فيجعلوه أحد شهداء الثورة الفلسطينية، وهو الذي قال: «فنزويلا هي فلسطين وفلسطين هي فنزويلا»؟ لذا، حين فتحت السفارة الفنزويلية في رام الله أبوابها لتقبّل التعازي، توافد الفلسطينييون منذ اليوم الأول على اختلاف مناصبهم ومسمياتهم لتقديمها. ودعت الفصائل إلى مسيرات تأبين في خيام مناصرة الأسرى الناشطة أخيراً، وحمل الكثير من المواطنين عفوياً أعلاماً وصوراً للرئيس الراحل ولفنزويلا.
عند وصول خبر وفاته، فرحت تل أبيب، ولبست الأسود فلسطين. ألا يكفي هذا؟
بين هذا وذاك، كنت لا أزال ألعب النرد مع «أبو عزيز» في «مقهى رام الله» حين بدأت مراسم تشييع الفارس النبيل ونصير الفقراء والفلاحين، على التلفزيون. حدّق أبو عزيز لفترة بالشاشة، ثم سألني: «هلق... هو منيح هاظ يعني؟». هززت رأسي بالإيجاب، فتابع: «بيقولوا، العرب بحبوه!».