مخيم البارد | في ما مضى كان أبناء مخيم نهر البارد، شأنهم شأن بقية أبناء المخيمات الفلسطينية في الشتات، يرددون كلمات الأغنية الشهيرة «شوارع المخيم تغصّ بالصور/ شهيدنا تكلّم وأنطق الحجر»، لكنهم اليوم، في غربتهم عن مخيمهم الأصلي استعاضوا عنها برديّة تقول «شوارع المخيم تغص بالحفر، وإلى مستنقعات تتحوّل عند المطر»! فحيثما ذهبت أو أدرت وجهك هنا، ترى الحفر والجور تهيمن هيمنة شبه مطلقة على مساحات الشوارع والطرقات العامة، وبالطبع الزواريب داخل الأحياء. ولا مغالاة في القول إن بعض هذه الحفر تتحول في أيام المطر الى مستنقعات، بعضها قادر حتى على ابتلاع سيارة بمن فيها، بدون أي مبالغة. وإن كانت الحفر هي الحاضر الدائم في الشوارع، فإن الغائب عنها أبداً هو الزفت و«الدفينو». مع أن بعضها كان قد جرى تزفيته من باب رفع العتب، لكن ونتيجة الغش والسمسرة التي هي بضاعة رائجة هذه الأيام في المخيم، لم يصمد «الزفت» طويلاً، وسرعان ما عادت الى حالتها الأولى.


هناك شوارع «عذراء» في المخيم، أي أن الزفت لم يمسّها بحياتها، واكتفت الجهات المعنية بفلش بضع نقلات من الردم و«الدفينو» التي لم تصمد طويلاً أمام «زخ المطر» فجرفتها سيول الأمطار الأخيرة، محولة المستنقعات المائية الى برك وحول خطرة.
الدولة اللبنانية بوزاراتها المختصّة تمنع تزفيت بعض الطرقات والشوارع الرئيسية بحجّة وجود «خط أنابيب النفط» أو خطوط سكة الحديد (التي لم يعد لها وجود في كل المناطق والتي سرقت خطوطها كلها تقريباً خلال الحرب الأهلية اللبنانية). ذريعة واهية ولا شك، وخاصة أن هذه الشوارع من المفروض أنها مؤقّتة، ينتفي وجودها بعودة أبناء المخيم الى بيوتهم ومنازلهم في «المخيم القديم» (هذا لو كانت هناك من نية لإعادتهم الى هناك) وإزالة «البركسات» التي شقت هذه الطرقات أصلاً لتسهيل عملية الوصول إليها والتواصل بين سكانها.
«الأونروا» بدورها تتنصّل من مسؤولياتها على هذا الصعيد تحت مسمّى أن خدماتها لا تشمل «المخيم الجديد»، وربما تقصد المؤقت، وفقاً للتسمية المستجدّة! إذ إن «المخيم» بشقيه القديم والجديد وحدة جغرافية واحدة لا مجال لتجزئتها أو تقسيمها.
الفصائل الفلسطينية عاجزة كما هي العادة عن إيجاد حلٍ لهذه المشكلة التي باتت تؤرق مضاجع أبناء المخيم وتحد من حركتهم وتنعكس سلباً على تواصلهم الاجتماعي وعلى أوضاعهم المالية، في ظل هذه الظروف الاقتصادية والمعيشية المعقّدة، إذ بات لزاماً على أهالي الطلاب أن يدفعوا بدل إيجار للباصات المدرسية وسيارات النقل، لإيصال الأبناء من وإلى مدارسهم تلافياً لسقوطهم في المستنقعات المائية.
«اللجنة الشعبية» لا همّ لغالبية أعضائها سوى «التمترس» في الصفوف الأمامية في المناسبات والولائم والعزائم، ومعاناة أبناء المخيم آخر همومهم...
أما مجلس الأئمة وخطباء المساجد والمشايخ فكان الله بالعون....
«بلدية المحمّرة»، وهي المسؤول عقارياً عن هذه المنطقة، تبدو كأنها «شاهد ماشفش حاجة»، رغم أن أصحاب المباني والعقارات من أبناء المخيم يدفعون لها سنوياً الرسوم والضرائب المتوجّبة عليهم. ولكن يبدو أن عدم كونهم «أصوات انتخابية» يحول دون خدمتهم وتقديم الواجبات البلدية المفترضة لهم، مقابل الضرائب المدفوعة.
أبناء المخيم يشعرون بأنهم يعيشون في منطقة ما من مجاهل أفريقيا، لكن حتى هناك، تحكم قوانين العشائر نظام المقيمين فيها... أما هنا؟