«تمخَّضَ الجبلُ فولد فأراً»، ربما يكون هذا المثل الشعبي هو التعبير الأمثل عن واقع مجلس النواب المصري، الذي أعاد السلطة التشريعية إلى «ممثلي الشعب المنتخبين» بعد انتخابات شهدت تأجيلاً لأكثر من ثلاث سنوات، بسبب صعوبة صياغة القوانين والخوف من إجراء الانتخابات على أسس غير دستورية تؤدي إلى تكرار تجربة برلمان 2011، الذي صدر حكم قضائي بحله من المحكمة الدستورية العليا بعد أشهر قليلة من انتخابه.

لم يكن أكثر المؤيدين من الفريق الداعم للرئيس، عبد الفتاح السيسي، يتمنون أن يأتي تشكيل برلماني نموذجي كالمجلس الحالي. لم يقتصر الأمر على مجلس التصفيق لقرارات الرئيس ولكنه تحول إلى ديكور يعيد الحياة البرلمانية إلى مصر وفي الوقت نفسه لا يزعج الرئيس والحكومة بالاستجوابات والأسئلة الملحة، أو حتى يسعى إلى إسقاط الأخيرة استناداً لحقه الدستوري في تشكيل الغالبية البرلمانية للحكومة خلال السنوات الأربع لولايته.

بات العضو الوحيد المعارض هو الإعلامي المثير للجدل توفيق عكاشة!

وبرغم الصلاحيات الواسعة التي يمتلكها البرلمان كإقالة الحكومة والدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة وغيرها من الأوامر التي تجعل من ممثلي الشعب رقباء على الحكومة، لا يبدو حتى الآن أن أيا منهم قرر الأخذ بها أو ببعضها، وهو ما يظهر في البطء غير المبرر بشأن الانتهاء من الإجراءات الخاصة باللائحة الداخلية وتمرير القوانين التي صدرت في غياب البرلمان وتجاوز عددها 340 قانوناً لم يجر الاعتراض فيها سوى على قانون واحد فقط، هو قانون الخدمة المدنية.
أيضاً، لا ينعقد المجلس إلا لمناقشة الأمور المدرجة في جدول أعماله عبر جلسات قصيرة لا ترتبط بأي أحداث تشغل بال المواطن، بل إن المجلس لم يبد اعتراضاً مع نشر قرار السيسي زيادة تعريفة الجمارك على السلع المستوردة من الخارج، فيما يبدو جلياً أن النواب ليس لديهم رغبة سوى في تمرير ما يعرض عليهم، فحتى الاستماع إلى برنامج الحكومة الذي كان يفترض أن يكون على أولوية الأجندة أرجئ حتى إشعار آخر.
في الإطار، يبدو «ائتلاف دعم مصر» الذي يضم نوابا تم اختيارهم للترشح عبر أجهزة أمنية عالية التنسيق ــ برغم خسارته معركتين حتى الآن ــ قادرا على إدارة المجلس بطريقته، سواء بإرجاء الجلسات والاكتفاء بالمناقشات، أو بتحويل القضايا التي يرغب فيها فقط إلى قضايا رأي عام يتدخل فيها البرلمان، على غرار ما حدث من إعلان تشكيل لجنة لمناقشة تقرير رئيس «الجهاز المركزي للمحاسبات» عن تكلفة الفساد، وهي التصريحات التي دانتها لجنة شكلها الرئيس وضمت نائبه المعين بقرار رئاسي.
كذلك لم يناقش المجلس حتى الآن أي قضايا ملحة حدثت في مصر، فانخفاض قيمة الجنيه أمام الدولار الأميركي، والتراجع الحاد في الاقتصاد وسعي الحكومة إلى إجراءات «مؤلمة» كما أعلن رئيسها شريف إسماعيل، قابلها البرلمان بالاكتفاء بمناقشة أزمة أمناء الشرطة وانتهاكات وزارة الداخلية، التي لم يجرأ فيها أي من النواب على تقديم استجواب إلى وزير الداخلية مع أنه الإجراء المنطقي في ظل اكتفاء مجدي عبد الغفار حتى الآن بإدانة الحادث وتقديم العزاء إلى أسرة المجني عليه.
اللافت أن رئيس الحكومة، أيضا، بعدما قرر اختزال مدة إقناع المجلس ببرنامج الحكومة من ثلاثة أيام إلى جلسة واحدة، يتعامل مع النواب عبر الإعلام ــ خاصة في تصريحاته عن احتمالية التعديل الوزاري المحدود قبل جلسة الاستماع إلى بيان الحكومة أو احتمالية إجراء تعديل وزاري يطيح بالوزراء المقصرين في عملهم ــ كأنهم غير موجودين وكأن المجلس لم ينعقد أو أن السلطة التشريعية لم تنتقل من الرئيس إلى البرلمان!
وبرغم وجود أجندة تشريعية مكثفة على أولويات التشريع تضم مشاريع قوانين عدة منها قوانين بناء الكنائس وتأسيس الهيئات المكملة للدستور وتنظيم وسائل الإعلام ومناقشة موازنة العام المالي الجديد ــ تتضمن زيادة في أسعار الكهرباء والمياه ورفع الدعم عن مزيد من الخدمات ــ لكن النواب لا يزالون منخرطين في اللائحة الداخلية وقواعد تنظيم البدلات التي سيتقاضونها بالإضافة إلى المناقشات حول عدد اللجان وقواعد عضويتها... وغيرها من التفاصيل التي لم يكن يتوقع أي شخص أن تكون أولويات برلمان جاء بعد مخاض قانوني ودستوري عسير من أجل تحقيق حياة أفضل وتقاسم السلطة مع الرئيس والحكومة.
اللافت في تصرفات النواب أن العضو الوحيد الذي صار صوتاً معارضاً داخل المجلس هو الإعلامي المثير للجدل توفيق عكاشة، فدعوته إلى انتخابات رئاسية مبكرة وانتقاده قبول النواب استقالة العضو المعين سري صيام، ليست لمجرد إثارة الجدل، فالرجل بات المعارض الوحيد داخل المجلس الذي ارتضى أعضاؤه عضويته دون أن يفعّلوا الأدوات التي يمتلكونها، مع وقف البث التلفزيوني للجلسات.
عموماً، يتبقى أمام المجلس أقل من أربعة أشهر على فض دور الانعقاد الأول المقرر نهاية حزيران المقبل، ويفترض أن يقر فيه موازنة العام الجديد بالإضافة إلى حزمة التشريعات، لذا تبقى تساؤلات عديدة عن قدرة النواب الذين لم ينجزوا شيئا حقيقيا حتى الآن على إقرار الموازنة ومشاريع القوانين المقترحة، وخاصة أن قانون الخدمة المدنية الذي رفضته غالبية النواب لم تطرح بدائل عنه حتى الآن، فهل سينجح البرلمان في أن تكون له كلمة في المدة المقبلة؟