لا تزال الأحداث التي تمر بها مصر تثبت أن الجدل الأكبر الذي يدور في الشارع، وعبر وقائع ما يجري فيه، ليس جدل الدين _ العلمانية، بل جدل الأمن والسياسة. فما حدث من تصاعد للعنف أول من أمس في أعقاب صدور قرار المحكمة في ما يتعلق بـ«مذبحة استاد بورسعيد»، يترافق مع عجز سياسي عن التعامل مع الشق الأمني في بنيانه المادي ممثلاً في وزارة الداخلية، وبنيانه المعنوي ممثلاً في استقرار الشارع، فضلاً عن تدهور اقتصادي غير مسبوق باتت الشاهد الأبرز عليه أزمة السولار التي تصيب المحافظات المصرية بالشلل.


يحدث كل ذلك وسط إعلان شبه رسمي لانهيار البلاد، واقتراب وقوعها في فخ الأمن الذاتي، نتيجة إعلان الداخلية بشكل غير مباشر عجزها، وتفويض الأمن إلى المواطنين، بعد موجة عنف شهدتها البلاد أول من أمس كانت القاهرة عنوانها الأبرز، بعدما ارتفعت في سمائها أعمدة الحرائق.
وجاءت الموجة الجديدة من العنف بعد حال من الجدل أثارها قرار المحكمة الذي قضى بإعدام 21 من المتهمين بالتورط في «مذبحة استاد بورسعيد»، فضلاً عن معاقبة اثنين من قيادات الداخلية، أحدهما مدير أمن بور سعيد فترة المذبحة بالسجن 15 سنة، وبراءة 28 آخرين، وبينهم 4 من مشجعي النادي الأهلي.
وتركز الجدل داخل محافظة بورسعيد وبين صفوف الألتراس في النادي الأهلي فضلاً عن المجتمع، حيث بدا الحكم ذكياً، ولا سيما مع طعن النيابة في براءة الـ28 واستجابة الجيش السريعة للإفراج عن أصحاب البراءة فوراً.
الآلاف من الألتراس الأهلاوي استقبلوا الأحكام القضائية الصادرة بالفرح والسعادة أمام بوابة النادي الاهلي التي تجمعوا أمامها، إلا أن الانقسام بدأ بين صفوفهم عقب براءة 7 من قيادات الداخلية وإدانة اثنين فقط، الأمر الذي دفعهم إلى الهتاف «حي حي دور الداخلية جاي»، لتشهد القاهرة تحديداً بعدها موجة من الحرائق والاشتباكات أدت إلى مقتل متظاهرين اثنين. وأضرمت مجموعات من «ألتراس أهلاوي» النار في مقر الاتحاد المصري لكرة القدم ونادي الشرطة، فيما قطع المئات الطرق الرئيسية واشتبكوا مع عناصر أمنية، بما في ذلك في محيط ميدان التحرير وجسر قصر النيل. وهو وضع استمر أيضاً إلى أمس، فيما أفادت تصريحات صحافية عن استخدام غازات قاتلة ضد المتظاهرين. لكن الأسوأ تمثل في مهاجمة عدد من المحال وإحراقها تحت غطاء الغضب، ما دفع كثيرين إلى إطلاق دعوات صريحة إلى ضرورة وضع حدّ لظاهرة الألتراس على غرار ظاهرة «بلاك بلوك»، وخصوصاً بعدما ارتكبت جرائم تحت ستارهما. أما بورسعيد، فشهدت مزيجاً من من الهدوء الحذر والاحتجاج عقب الحكم، ساعدت فيه الاجازة الاجبارية ليومين في المدينة، فضلاً عن جولة قائد الجيش الميداني اللواء أركان حرب أحمد وصفي بين الجماهير عقب انسحاب الداخلية من المحافظة. وفيما شهدت بورسعيد مسيرات احتجاجية فضلاً عن استمرار العصيان المدني فيها الذي يدخل اليوم يومه الثالث والعشرين وسط تفاوت في مدى الالتزام به، كشفت تصريحات وصفي عن عقد الجيش جلسة مع أسر أهالي ضحايا المجزرة وأخرى مع أهالي المتهمين، تخللهما الاستماع إلى مطالبهم وأخذها في الاعتبار، ما أمّن قدرة للجيش على احتواء الأزمة. لكن في الوقت ذاته أكد وصفي، في تصريح ذي مغزى، أن جنوده مقاتلون وليسوا أمنيين، وهو ما تطابق مع ما ذهب إليه وزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم، في المؤتمر الصحافي الذي عقده وتخلله تأكيد أن القوات المسلحة لا يمكن أن تقوم بدور جهاز الأمن. وفيما دعا إلى عدم الزج بالشرطة في الصراع السياسي، لفت إلى أن الخلاف السياسي والهجوم المستمر على الشرطة هما اللذان سيسقطانها.
وأرجع إبراهيم إضرابات ضباط وجنود الأمن المركزي، الذين يطالبون باستقالته بعد اتهامات له بأخونة الوزارة، إلى ما يتعرضون له من ظروف نفسيه، إضافة إلى ما يلاقونه في المواجهات، كاشفاً عن أن الوزارة تتواصل مع الضباط لإيجاد حلول لمشاكلهم، وخصوصاً بعدما امتدت الاعتصامات إلى 13 محافظة.
وفي ظل غياب الشرطة الطوعي وتأكيد قادة الجيش عدم وجود نية لديها للحلول مكان الشرطة، برزت مبادرات وأفكار عديدة، إلا أن أكثرها زخماً هو ما أعلنته الجماعة الإسلامية عن السعي إلى تشكيل لجنة شعبية ومجموعات لحفظ الأمن والقيام بدور رجال الشرطة.
لكن الأكثر خطورة ودلالةً على حالة الانهيار التي وصلت إليها مصر، تجسد في إعلان النيابة المصرية أمس منح المواطنين الحق في القبض على مرتكبي الجرائم في حالة التلبس وتسليمهم إلى أقرب رجل شرطة أو أحد مأموري الضبط القضائي. وهو ما فتح باب الجدل حول احتمال نشوء ميليشيات تابعة لأي جهة بدعوى حفظ الأمن، ولا سيما بعدما سبقهما حديث أحد مساعدي وزير العدل عن إعداد مشروع قانون للاستعانة بالشركات الأمنية الخاصة في تأمين المنشآت، الأمر الذي عزز المخاوف من تزايد وتيرة العنف في الشارع. وهو ما دفع الأمين العام لجبهة الإنقاذ، أحمد برعي، إلى الكشف عن وساطة تسعى إليها الجبهة لعودة رجال الشرطة إلى عملهم واستماع الرئاسة ووزير الداخلية إلى مطالبهم والتفاوض الجاد معهم خشية «وجود ميليشيات إسلامية في الشارع».
أما الرئاسة فتسير في معالجتها للقضايا ببطء، متجاهلة التدهور السريع للأوضاع في البلاد. وبعدما اكتفت أول من أمس بالتأكيد على احترام أحكام القضاء ودعم الداخلية في مهماتها في مقابل التأكيد على وجوب «التفريق بين التظاهرات السلمية وأعمال العنف والتخريب»، كشف مصدر رئاسي أن مرسي عازم على إيفاد أحد مستشاريه لعقد اجتماع بعدد من قيادات جبهة الإنقاذ الوطني، وذلك لإقناعهم بحضور جلسات الحوار الوطني وتأكيد استعداد الرئيس لبحث كافة مطالب الجبهة لإنهاء حالة الانقسام الوطني. وأشار المصدر إلى أن مرسي لديه نية، في حال حضور الجبهة الاجتماع، عدم إنهائه من دون التوصل إلى حل بشأن كل المطالب، وعلى رأسها تشكيل حكومة.
في المقابل، أظهر موقف جماعة الإخوان المسلمين وحزبها الحربة والعدالة أنها لم تتبنّ خيار تكوين لجان شعبية أو لجان تأمين كالجماعة الإسلامية، لكنها أكدت على لسان عصام العريان، في جلسة مجلس الشورى أمس، أن «البلاد لن تسقط ولن تركع». وهو ما يكشف عن سيطرة سيناريو المؤامرة بصورة أكبر على رؤية الحرية والعدالة للأحداث الراهنة.
وعلى المنوال نفسه، اجتمعت الأحزاب الإسلامية المنضوية تحت زعامة حازم أبو إسماعيل في التحالف الانتخابي المعلن، لتؤكد عدم تركها مصر لتقع أو ليحدث انقلاب على الشرعية، على الرغم من اعتراضها على سياسات الحكومة ومؤسسة الرئاسة.