بناء أي دولة قوية لا يحتاج إلى جيش عسكري وعتاد فقط، فهو يعتمد على جيل متعلم ومثقف يمكنه الوقوف أمام التحديات الداخلية والخارجية التي تتعرض لها دولته، وكذلك فإن هدم أي دولة يحتاج إلى تدمير ثقافة شعبها. يجمع المتخصصون على ذلك، ومن هنا يدأب العدو الإسرائيلي، منذ سيطرته على مدينة القدس، على تجهيل الفلسطينيين الذين يسكنونها عبر نشر ثقافة «التعايش» ومصطلح «دولة إسرائيل».

قوبل المشروع الإسرائيلي «التجهيلي» برفض كبير من المقدسيين الذين زرعوا في أنفسهم وأبنائهم مقاومة العدو، فبدأت الفجوة بينهم وبينه تأخذ بالاتساع، ما أنتج عدداً من الانتفاضات والهبات التي تعيش القدس حالياً واحدة منها. في المقابل، ظل العدو يحاول إيجاد سبل تمكنه من فصل الأجيال الفلسطينية الناشئة عن تاريخها، فصنع منهاجاً تعليمياً لتهويد عقلية الطلاب.
وفي داخل المنهاج الإسرائيلي قضايا خطيرة تلغي فلسطينية من يتعلمها، فهي تبني عقلية الطالب على أنه يعيش ضمن أقلية عربية تعيش بدورها ضمن «دولة إسرائيل الديموقراطية»، وكذلك يحتم المنهاج عليه حفظ نشيد «هتكفا»، وهو«النشيد الوطني الإسرائيلي» الذي يعلم طلاب القدس إعطاء الولاء للعدو.
رفض المقدسيون أن يخترق المنهاج الإسرائيلي مدارسهم، وطالبوا بحق السلطة الوطنية الفلسطينية في الحفاظ على مسؤوليتها في كتابة المناهج التعليمية التي يدرسها أبناؤهم، وذلك كما جاء في اتفاقية أوسلو المبرمة بينها وبين إسرائيل في التسعينيات.
ومنذ بدء تدريس المنهاج الفلسطيني في بداية القرن الجاري عوضاً عن المنهاج الأردني، الذي كان يدرس في المدينة، حاول العدو فرض منهاجه على عدد من مدارس القدس، وأخذ يتحكم بالمواد التي يتلقاها الطالب المقدسي من المنهاج الفلسطيني، بل ألغى علم فلسطين من الكتب وكذلك جميع الآيات التي تتكلم عن الجهاد والقصائد والدروس التي تتكلم عن حب الوطن والحرية.
وأخيراً، وضعت وزارة المعارف الإسرائيلية شرطاً للمدارس التابعة لها ينص على أن المدرسة التي لن تفتح صفوفاً لتعليم المنهاج الإسرائيلي ستحرم المخصصات الإضافية السنوية التي تمنحها الوزارة لتطوير المدارس.
ويصل عدد المدارس التابعة لوزارة المعارف الإسرائيلية في القدس إلى 30 مدرسة يتعلم فيها 25 ألف طالب مقدسي، سيحرمون بهذا القرار المخصصات التي تعمل على تطوير المباني كفتح مختبرات وشراء حواسيب وإنشاء ملاعب، وكذلك ستحرم المعلم الزيادة الإضافية لراتبه، الأمر الذي سيجعل التعليم في المدارس الإسرائيلية التي تعلم المنهاج الإسرائيلي ــ يصل عددها في القدس إلى خمس ــ بمستوى تعليمي أقوى من غيرها.
يقول رئيس «اتحاد أولياء أمور مدارس القدس»، زياد الشمالي، إن هناك نقصاً في الغرف الصفية في القدس يصل إلى ثلاثة آلاف غرفة، وهو ما قد يضطرهم إلى تعليم المنهاج الإسرائيلي في حال نجاح وزارة المعارف بفرضه عليهم، أو إنهم سيرسلون أولادهم إلى التعلم في مدارس الضفة، لكن ذلك سيشكل خطراً أمنياً عليهم لكونهم سيمرون عبر عدة نقاط تفتيش وحواجز إسرائيلية. ويضيف الشمالي، في حديث إلى «الأخبار»، أنّ من الممكن أن تنتقل الأسر من القدس للعيش في مناطق مدارس أولادهم في الضفة، وهو ما يعني إفراغ المدينة.
ويخوض «الاتحاد» منذ أربع سنوات تحديات كبيرة لصد المنهاج الإسرائيلي عن فرضه على مدارس القدس، كما يقول الشمالي، لكن حرمان هذه المدارس المخصصات الإضافية زاد الأمر تعقيداً، خاصة مع «غياب دور السلطة الفلسطينية في القدس وعدم فتحها المزيد من المدارس».
إلى ذلك، أعلن وزير التربية والتعليم الإسرائيلي المتطرف، نفتالي بينت، أنه أقرّ مشروعاً تعليمياً جديداً في المدارس الإسرائيلية تحت عنوان عام 2016 هو «عام توحيد القدس». وستتضمن الخطة «تعليم الطلاب تاريخ مدينة القدس وتوحيدها في مساقات عديدة كالتاريخ والجغرافيا واللغات ومادة مخصصة عن الشعب اليهودي»، وذلك ابتداءً من الخامس من حزيران المقبل، وهو يوم احتلال الشق الشرقي من القدس وضمه إلى الشق الغربي الذي سيطر العدو عليه عام 1948.