ما بين أحداث الاتحادية إلى محمد محمود إلى أحداث بور سعيد وإضراب ضباط الشرطة والمنازلات القضائية اليومية وحجم العنف المتصاعد، المعلوم والمجهول المصدر، وتردي حال الاقتصاد، يطلّ تساؤل ملحّ من ثنايا المشهد المصري: لماذا يعجز النظام عن مواجهة كل ذلك، ومن السبب في هذا؟


الدولة بكل مكوناتها باتت أشبه بماكينة تحتوي على تروس (الحلقات الحديدية التي تصل بين أجزاء الآلة وتؤمن عملها). ومن الواضح أنها لم تعد تعمل بتوافق في ما بينها. فالثوار يشكون من الدولة، والإخوان كذلك، وحتى المعارضة وفلول الحزب الوطني.
مدير مركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات، محمد صفار، لجأ إلى نموذج الرأس والجسد لتفسير الحالة القائمة في مصر اليوم، مشيراً إلى أنه «إذا كان الرئيس محمد مرسي يعتبر هو رأس السلطة، إلا أنه لا يستطيع السيطرة على جسدها، الذي لا يزال خارج السيطرة لكونه لا يزال تابعاً للنظام السابق». أما المجموعات الثورية «فباقية على حجمها قبل الثورة ولا تملك القوة الكافية لتغيير مسار الأحداث كلية، مثلما كان وقت الثورة». ورأى أن «ما زاد الأمر تعقيداً، أن الرأس الممثل في مرسي لا يملك المهارة والقدرات الكافية للسيطرة على الجسد».
ويفسر صفار ما سماه «صلف» الإخوان ومرسي في ما يتعلق بإعادة تشكيل الحكومة، كما ترغب المعارضة على سبيل المثال، بأن «الجماعة لا ترغب في اقتسام السلطة إلا مع من له القوة على الأرض، وبما أن من يملك القوة على الأرض هم الفلول وجماعات المصالح، فإنّ من الصعب إقدام الإخوان على اقتسام السلطة معهم، وذلك لأن الإخوان يعلمون أن هذا يحطم جزءاً من شرعيتهم المستندة إلى الثورة». كذلك يدرك الإخوان ومرسي، وفقاً لصفار، أن مشاركة المعارضة، التي يرونها «ضعيفة ومهزوزة»، لن تؤدي إلى هدوء الشارع «لأنها لا تحركه، فهي مجرد واجهة».
ويتوقع صفار أن يستمر الضغط من قبل النظام القديم من أجل تنحي مرسي أو دفع الحركات الإسلامية لحمل السلاح، أملاً في تدخل الولايات المتحدة أو دفع الجيش لانقلاب، «لأنهما السيناريوان الأساسيان في إزاحة الرأس من أمام الجسد، وخاصة مع ضعف مهارات هذا الرأس وقدراته».
أما عن حال الشرطة الحالي الذي فجر جدل «الأمن الذاتي»، فيرى صفار أن «الشرطة كغيرها من أجهزة الدولة مصابة بالاهتراء وتفشي الفساد، لكن وجود جهاز الشرطة على المحك مع الأحداث جعله متصدراً للمشهد». وعن عجز مرسي التعامل مع هذا الجهاز، أوضح صفار أن الرئيس ليس لديه أي قوة حقيقية على الأرض توازي قوة هذا الجهاز، وخصوصاً أن هذا الجهاز لا يوازيه في القوة إلا الجيش، الذي هو بدوره خارج سيطرة مرسي. وأوضح أن مرسي حاول استقدام وزراء محسوبين على وزير الداخلية السابق حبيب العادلي، وعجز في إصلاح الداخلية، ما يكشف صعوبة إصلاح الجهاز بأحد من خارجه.
من جهته، يعتبر الصحافي المتخصص في الشؤون الدستورية والقضائية، محمد بصل، أن المنظومة القضائية أحد أسباب هذا العجز في الدولة، بوصفها الركن الثالث مع السلطة التنفيذية والتشريعية في النظام السياسي. ورأى أن «غياب استقلال القضاء وحتى استقراره ساعد على إحداث هذا العجز»، موضحاً أن حصار المحكمة الدستورية في كانون الأول الماضي فتح الباب لعدم احترام المنظومة القضائية.
وتطرّق بصل إلى نقطة إضافية تؤدي دوراً في هذا العجز، تتمثل في الإعلان الدستوري وما كشفه عن صياغة اللجنة القانونية لحزب الحرية والعدالة له، ليظهر عدم وجود استقلالية لمؤسسة الرئاسة، وهو ما يكبل مرسي ويجعله غير مستقل القرار.
بدوره، يرى أحمد مولانا، الناشط السياسي وعضو المكتب السياسي للجبهة السلفية، أن مرسي لا يتّخذ قرارات جريئة تجاه ما يحدث، بسبب «تكوينه النفسي من جهة وقدومه من جماعة إصلاحية تصعب عليه هذا الأمر». لكنه يرى أنه «لا يمكن الحديث عن عدم وجود قرارات جريئة أمام بعض الممارسات التي تجعل النظام عاجزاً عن التصرف أمام الناس». ولفت إلى أن سيناريو إضراب بعض الضباط وإغلاق الأقسام للمطالبة بإقالة وزارة الداخلية، هو نفس سيناريو إضراب بعض أعضاء النيابة والقضاة وإيقاف العمل بالمحاكم للمطالبة بإقالة النائب العام الجديد. ورأى أن «العصابة تنزعج كلما جاء فرد من خارجها ليتولى منصباً حساساً»، وهو ما يصفه مولانا «بمحاولات العرقلة المستميتة أمام محاولة أي إصلاح من قبل مرسي»، منبهاً إلى أن جهاز الأمن الوطني لم يتغير فيه غير عنوانه السابق «جهاز أمن الدولة»، ويشاهد مخبروه وأفراد أمنه حاضرين وفاعلين في أغلب أحداث العنف، وهو ما يكشف من يحرق الأرض كل يوم.
في ظل هذه الأوضاع، يرى الباحث السياسي في وحدة الدراسات المستقبلية في مكتبة الإسكندرية، محمد العربي، أن ما تشهده الدولة المصرية حاليّاً هو آخر مراحل تفككها التي بدأت منذ عقود، لافتاً إلى أن «أزمة النظام السياسي في مصر منذ تأسيس الدولة هي علاقته غير الصحية مع بنية الدولة». وأوضح أن «هذه النظم المتعاقبة لم تعش إلا على إضعاف الدولة وتفكيكها. ويتجلى هذا التفكيك في انسحاب الدولة من المجتمع من ناحية، واستئسادها عليه من ناحية أخرى». ومضى يقول: «وصل الإخوان إلى الحكم على بنية متهرئة ومفككة وغير كفوءة، وكان من المنتظر البدء في إصلاحها لتحسين كفاءة عملها بما يضمن ما روجوا له من مشروع نهضوي، أو حتى على الأقل تحقيق أهداف الثورة، غير أن ثقل الجماعة واتجاهها للهيمنة والسيطرة على خطى النظام السابق جعلها تقبل بهذه الدولة بكل ما هي عليه، فإصلاحها بنيوياً يعني بالضرورة التصادم مع مصالح داخلية وخارجية».
لكن العربي لا يتفق مع النموذج الذي يفترض وجود دولة عميقة تعرقل آلية الإصلاح وتعادي الإخوان، مشيراً إلى «هذا الادعاء مجرد ذريعة لتبرير الفشل في البدء في الإصلاح، وللتغطية على الإفلاس الذي يحمله الإخوان كنخبة حكم جديدة».
وشدد على أن «ما يحدث حالياً هو إمعان في تفكيك الدولة بالقانون، ولا أدل على هذا من تهديد الداخلية بالانسحاب، في الوقت الذي يتصاعد فيه الحديث عن ضبطية قضائية تمنح للمواطنين، وكلها مؤشرات إذا اجتمعت مع غيرها تدلنا على الاتجاه نحو نقل الصراع من مؤسسات الدولة إلى المجتمع».
كذلك إن المعارضة، وفقاً للعربي، «لا تبدو بعيدة عن هذا العجز الذي بات يحكم المشهد، فهي من ناحية بعيدة عن هدف الثورة بإعادة تشكيل الدولة اقتصادياً واجتماعياً وأمنياً، ومن ناحية أخرى غير قادرة على تشكيل نفسها في شكل كتلة ضاغطة لتحقيق هذه المطالب». وإن كان خطابها لا يزال أسير رد الفعل على أفعال النظام، فإن الأخطر «أنها لا تحظى بالشرعية المجتمعية الكافية لدفعها نحو الفعل، وغالباً ما يتباعد خطابها عن خطاب المجتمع الذي تدعي تمثيله».
بدوره، خلص الباحث في مركز الدين والسياسة للدراسات، عمر غازي، إلى أن المشهد «الغارق في الضبابية» يجعل عجز الدولة عن تحمل مسؤوليتاها يقع على عاتق الجميع، سلطة ومعارضة وشعباً ومؤسسات، لذا فإنّ ما نراه يتجه إلى النموذج العراقي. فبعد سقوط صدام حسين حدث انقسام حاد على الصعيد السياسي، وباتت تيارات متباينة تتصارع على الكعكة، بينما تتناثر دماء وأشلاء على الأرض ما بين فترة وأخرى وأصوات السياسيين المطالبين بمصالحهم باسم الشعب والوطنية لم تخبُ ولم تهدأ. والنتيجة أن البلاد لم تسقط ولم تنهض، وأصبح العنف والانفلات جزءاً ممنهجاً من النظام وحالة معتادة يتاجر بها الفرقاء لضمان مصالحهم أو تزويد حصصهم البرلمانية أو الوزارية والضحية دائماً وأبداً المواطن والوطن.