حدثتني أمي عن طفولتي، وهي لم تستغرب ما وصلت إليه في حياتي النضالية، قالت إن والدي عندما ذهب من طبريا الى حيفا، مكان عمله في شركة النفط، كان حينها جيش الانتداب البريطاني في فلسطين هو الذي يفتش الحدود. ووالدي كان نقيباً يدافع عن حقوق العمال وينقل السلاح إلى إخوته في حيفا، وكالعادة كان يحمل مسدساً، يضعه في جعبة السائق المعلقة في الباص دون علم الأخير.


ثم يضع الرصاصات في «لفة» ابنته الرضيعة. كان عمري يومها 6 أشهر، وقبل أن يصل الباص الى نقطة التفتيش حيث ينزل الركاب، بمن فيهم النسوة، كان والدي يقرصني لأبكي، هكذا، حين صعدت الجندية البريطانية الى الباص قالت لأمي «لا تنزلي إبقَي مع الطفلة».
المرة الثانية كان عمري سنتان عندما تعرض والدي لمحاولة اغتيال، لكن الرصاصة أصابتني في فمي. لم تُحدث سوى جرح بسيط ما زلت أتحسسه.
غادرنا حيفا الى طبريا بعد مجزرة دير ياسين، وبناءً على قرار قيادة الجيوش العربية بإخلاء السكان حتى تحرير الارض والعودة. من طبريا الى الحمة الى إربد في الأردن. بقي والدي يحارب الى جانب الثوار. ثم انتقلنا الى دمشق بعدما وضعت أمي أختي الثالثة التي سمّيناها بداية «زينب»، لكن عندما جاء خبر «انتصار» الجيوش العربية، غيرنا اسمها الى «انتصار». ومن وقتها والهزائم تتوالى، باستثناء حرب 1973 التي حققت نصراً عسكرياً عظيماً وضع خطته الرئيس الراحل عبد الناصر، وحوّله السادات الى هزيمة سياسية.
عشنا في دمشق فتره قليلة، ثم ذهبنا الى حمص ليعمل والدي في فرع شركة (آي بي سي) شركة نفط العراق. وأهل حمص ككل اهل الشام كرماء أحباء صادقون. بدايات العمل القتالي كانت في حمص، هناك عرفنا جميلة بوحيرد. جمعنا التبرعات للجزائر الحبيبة، قدنا التظاهرات تأييداً للوحدة بين مصر وسوريا عام 1958، وأيضاً ضد اقتراح الرئيس بورقيبة «قبول تقسيم فلسطين». عام 1961 عام الانفصال بين مصر وسوريا أتذكر كيف خرجت الجماهير الى الشوارع، فقمعها الجيش. يومها «أكلنا علقة مرتبة».
دخلت حركة القوميين العرب عام 1962. وأول شخص تعرفت اليه في الحركة، وكان ناصريا، زارنا للتعرف الى والدي الناشط في الحركة العمالية. قال له «نريد أن نقيم فرعاً في حمص، ونعرف أنك من خيرة الرجال»، وافق والدي.. عرفنا في ما بعد أن اسمه صلاح صلاح.
في صيف 1968 وعندما علمنا أن حركة القوميين العرب تحولت الى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التزم كثيرون بالجبهة لكنّ كثيرين لم يرقهم الفكر الماركسي اللينيني فتركوها. 1969 عشنا في دمشق بعد حمص. أيامها عادت قيادة الجبهة اليها، كان صلاح معهم: وكان أول رجل من خارج العائلة ينام عندنا.
لسنين لم نتقابل، لكن كنا نتراسل. ومرة كنا نتغدى في مطعم بشارع الصالحية، سألته عن موعد زواجه فقال «تركنا بعد الانشقاق»، ثم فوجئت بجملة «هل تتزوجينني؟».
لم أتردد، أجبت فوراً نعم! كان ذلك في 7 آب 1970، بعد الزواج بيوم واحد ذهبنا الى لبنان (بدنايل) ليتحدث صلاح في مهرجان للجبهة، فكانت مرحلة جديدة بدأت في مخيم عين الحلوة الجميل. لم اكن اعرف المخيمات حتى زواجي بصلاح في لبنان. لم يمض على زواجنا شهر إلا اندلعت حرب أيلول في الأردن، في عام 1972 عُقد مؤتمر الجبهة في مخيم البداوي، وأصبحت عضوا في اللجنة المركزية العامة للجبهة إثر انشقاق الجبهة الثورية. كان شرفا كبيرا أن يختارني «الحكيم».
مرحلة لبنان كانت الأجمل والأرقى نضالياً. فقد عشت حياة المخيمات وعرفت ما لم أكن أعرفه عن شعبنا في لبنان: في سوريا لم نكن نعيش هذه الأوضاع المأساوية، كانت لنا حقوق المواطن السوري، ما عدا الترشح والانتخاب. لم نشعر يوماً بأننا غرباء.
بعد زواجي سكنت في مخيم عين الحلوة، شعرت بمعاناة ناس المخيمات وكيف يتعامل المكتب الثاني والدرك معهم. سمعت كيف قامت الانتفاضة داخل المخيمات عام 1969 لدعم العمل الفدائي، الذي بدأت مجموعاته في الجنوب. كيف قام المحتجون بطرد عناصر المكتب الثاني من مدخل المخيم.
عشت في المخيم حياة سعيدة. عائلة صلاح حميمة جداً والعلاقات الاجتماعية رائعة بين الأهل والجيران. لم يعكر صفو المخيم سوى الغارات الاسرائيلية المتكررة. أذكر يوم ضُرب مخيم النبطية، الذي لم يعد أبناؤه إليه حتى الآن، أننا ذهبنا يومها من أجل الاغاثة مع الرفيق أبو حسين حمدان رحمه الله، المسؤول عن السيارة الوحيدة الموجودة في مكتب الجبهة الشعبية. وصلنا ليلاً لنرى أشلاء متناثرة من الزينكو والباطون وأغراض الناس.
عام 1973 توفيت أخت صلاح. جاء الحكيم جورج حبش ليعزي العائلة وهو الصديق الحميم، وخاصة لأم صلاح. وما أن غادر المخيم حتى قصفت إسرائيل بيتنا بصاروخ مباشر. بعض الجيران احتموا في المدخل/الدرج، لعلّه يكون آمنا، لكن للأسف قتلت جارتنا الصديقة الحميمة «زهرة».
كان المخيم بالنسبة إلي هو فلسطين. ما زلت أذكر عندما تزوجت من بين الحضور رفيقاً مناضلاً اسمه أبو صالح، وهو من لمع اسمه فيما بعد في رواية الياس خوري «باب الشمس»، كان قائد استطلاع. غادر فلسطين في نكبة 1948، لكن عائلته بقيت. كان يزورها دوماً قاطعاً مئات الاميال مشياً ليراها ويستطلع الوضع ويعود. كان من أقرب المقربين لجورج حبش وأبو ماهر اليماني ووديع حداد من عين الحلوة. كانت له جلسات كثيرة ومهمة مع غسان كنفاني. إنسان صريح وواضح.
أم صلاح قالت لي بالحرف الواحد« شوفي يا بنتي وين ما بدك روحي اشتغلي بالسياسة، سافري لمؤتمرات، أنا لا اعارض ابداً لكن بدي ولاد لصلاح، إنتِ جيبي وانا أربي»، وبالفعل كان ذلك.
اعتدنا في المخيم حياة العائلة، الفطور الجماعي والغداء الجماعي، وخاصة عندما يحضر الاقرباء والإخوة من السفر. أتذكر عندما حضرت للمخيم أول مرة كان البيت واسعاً والحديقة كبيرة فيها عنب وتين، موصولة مع بيت ناجي العلي رحمه الله. النساء كن يخبزن كل ثلاثة أيام. مناقيش بالزعتر والبصل والبندورة ومناقيش بالسكر والسمسم. كانت الحياة سهلة وبسيطة، فيها ألفة ومحبة وتعاون.
بعد الاجتياح الاسرائيلي تغيّر طابع المخيم؛ جرفت بيوته وشجرتا تينه وعنبه. أعادوا بناءه، لكنّ الشجر أصبح قليلاً والباطون زاد على نحو ملحوظ، نظراً إلى تكاثر العائلات، والعدد في المخيم أصبح أكثر. أما العلاقات الاجتماعية بين الناس، فما زالت أخوية... لكن أحياناً تفرقهم السياسة، أولادي عندما كانوا يدرسون في الخارج، وما زالوا حتى الآن، حافظوا على هذه العادة، وهي الذهاب الى المخيم أولاً للقاء الجد والجدة والاهل، وحتى الآن علاقتنا بالمخيم علاقة حبل السرة، الذي لا ينقطع إلا في فلسطين.




ضاحكة دائماً، تبدو سميرة صلاح، ممن قال عنهم الرفيق لينين: الصبر والسخرية ميزتا المناضل البلشفي. عايشت السنوات الذهبية للقضية الفلسطينية، من ايام عبد الناصر الى ايام العمل الفدائي، حين كانت نساء الثورة لا يتورعن عن خطف الطائرات. في سميرة الكثير من ميزات المرأة الفلسطينية: رفيقة الدرب، السياسي والعائلي، حس نكتة يتزايد بازدياد مرارة الواقع، ايمان بالقضية تنقله الى اولادها والى من يعمل معها، وصبر لا ينتهي. اليوم هي عضو في المجلس الوطني الفلسطيني، وناشطة في اتحاد المرأة الفلسطينية.