متى تنتهي الحرب الأهليّة؟


متولي أبو ناصر
هديل، الفتاة الفلسطينية المهجّرة من مخيم اليرموك الى بيروت، تقول لسائق التاكسي الذي ما إن علم بأنها فلسطينية حتى أراد إنزالها من السيارة، «ليش عمّو»؟ والسائق بلهجة الغاضب، وحتى من دون أيّ مقدمات أو شرح يقول لها «إنتو قتلتونا»! هديل ذات العشرين ربيعاً لم تفهم ما قاله السائق، فتردّ عليه بعصبية، وهي تحاول منع دموعها»، «بس أنا ما قتلت حدا عمّو!». السائق الذي يبدو أنه من «الإخوة» في الطائفة المارونية يردّ عليها: قومي انزلي من السيارة أنا ما بطلّع فلسطينية، إنتو قتلتونا بالحرب الأهلية»، هديل تستجمع قواها وسريعاً ما تخرج الكلمات من قلبها دون أن تدرك حجم الموقف، أو الى أين سيمضي حديثها مع السائق. بِحُبّ تنظر الى وجه الرجل العجوز وتقول له «أنا لا علاقة لي بالموضوع،نحن نسينا، مرّت سنوات طويلة على ذاكرة الدم التي كانت بينك وبين آبائنا، أنا عندي أصدقاء كتير مسيحية، وهلأ كنت معزومة عند ناس مسيحيين على الغدا، يا عمّو نحن نسينا وبالأساس ما كان إلنا علاقة، أنا ما عندي مشكلة عمو إنك عم تحكي هيك بس انشالله ما تكون عم تنقل هاي الذاكرة لولادك لأنو هيك رح يبقى في بيروت شرقية وبيروت غربية، بس هاي المرّة رح يكون في محاور تماس جوّاتنا، بقلوبنا». هديل تستمر في حديثها القلبي وملامح السائق بدأت تعود الى آدميّتها، وأذناه تنصتان الى كل كلمة تقولها، هديل التي ما إن انتهت من حديثها حتّى قالت للسائق: «عمو أنزل أنا...؟». السائق بمكابرة يختبئ وراء مهنته، يبدو أن كلام الفتاة جعل الرجل يعود الى همومه الاقتصادية وكأنه يقول: «ألفين أحسن من بلا»، فيردّ على الفتاة «لا ،لا تنزلي بوصّلك وين ما بدّك».
كنتُ أنا الفلسطيني أيضاً، أجلس بجانبها وبجانبي الآخر فتاة فرنسية لم تجد من يترجم لها سبب الشجار الذي نشب بين الفتاة الصغيرة والسائق ولماذا انتهى الحديث بكل هذا الودّ فجأة!
انطلقت السيارة نحو جسر الكولا بهدوء، وعينا السائق تختلسان النظر بكل لطف الى تلك الفتاة الشقراء بين الحين والآخر. صحيح أن الفتاة الفرنسية ذات شعر أشقر ناعم وبشرتها صافية نقية بيضاء، ولها قامة جميلة تلفت الانتباه، وعينان زرقاوان كجمال بحيرة صافية، إلا أنها تنتمي الى بلد احتل هذا الوطن لأعوام طويلة كان فيها السبب في تقسيمه طوائف ومذاهب.
لم أفهم كيف نستطيع تجاوز أحقادنا تجاه محتل ولا نستطيع تجاوزه مع الشقيق الذي يعيش معنا همومنا وأفراحنا وأحزاننا.
أثناء وقوفنا عند إشارة المرور أول شارع الحمرا، تذكرت شاباً من منطقة «جبل محسن» من الطائفة العلوية عندما التقيت به في أحد بارات شارع الحمرا، كانت الخمرة قد فعلت فعلها، مستحضرة ذاكرة قريبة لم يمض عليها سوى أيام في طرابلس.
الشاب لا يوجد في ذاكرته سوى صورة صديقه «محمد» الذي أصيب أثناء الحوادث الأخيرة بين «أهلنا في جبل محسن، وأهلنا في باب التبانة». لم يتذكر أثناء بكائه المستمر الحرب الأهلية في لبنان، ولا ما سمّي حرب ياسر عرفات في طرابلس، ولا اشتباكات 2011، ولا 10 شباط، ولا 12 أيار ،ولا 21آب 2012، حيدر الشاب العشريني تذكّر فقط أن مكان ولادته «باب التبانة، شارع أبو عربي». يومها أذكر أنه أمسك يديّ بقوة ليريني مكان ولادته! ثم يقول «كل أسبوع بشوف محمد. أنا واياه فقراء وما إلنا حدا، وكل أسبوع يا أنا بنزل لعندو يا هوي بيطلع لعندي علشان نتغدى ورق عنب، بتعرف أنو نحن كتير منحب ورق العنب».
يمسح الشاب دموعه التي لم تتوقف، ويتابع حديثه «أنا أكتر شي بخليني أبكي إنو الأطفال عنا بيسبحوا ببرك ميه خضرا رغم إنو البحر مش بعيد عنهم، يا خييي ليش ما بيقدروا ينزلو على البحر؟ علشان في قناص يمكن ما يكون من المنطقة حتّى، محتل شارع سوريا، أو لأنو في أمراء حرب بدهم تظل منطقتنا مولّعة، نحن منحب بعض والله».
ترجلت من السيارة وأنا أحدّث نفسي، ألا يكفي 144 ألف قتيل، و197 ألف جريح، وعدد كبير من المفقودين حتى نتعلم الحب.
لا نريد أن نأخذ دور الساسة في تنظيرهم حول المواطنة. ولا أن نتحدث عن الباطنية السياسية التي تبقي نار الفتنة تحت الرماد، ولا عن المنابر الإعلامية التي تؤلّب الرأي العام وتبقي هذا الرماد ساخناً.
فقط دعوا الموتى للموتى ورفقاً بالأحياء، إنّه حديث القلب للقلب، فالتعدد القائم على الانقسام يجدد دورات العنف ويسبب غياب الثقة بين الناس، نحتاج فقط الى أن نهيئ المناخ للتواصل، فالذاكرة مثقلة بالدماء.
يقول غسان كنفاني: إنه وجهي الآخر الذي لا أستطيع أن أرميه، إننا نجلس معاً إلى حد يضطر فيه واحدنا أن يحمل قدر الآخر وأن يفكر بمصيره إلى حد تتضاءل معه فكرة النصر وفكرة الهزيمة.