بعد فشل محاولات سابقة عديدة، نجح الائتلاف الوطني المعارض أمس، في اجتياز «امتحان» التوافق، ولو مرغماً، بعد اختيار غسان هيتو رئيساً لأول «حكومة انتقالية معارضة»، فيما أكد وزير الخارجية الأميركي جون كيري أنّ واشنطن لن تقف في وجه الدول الأوروبية التي تريد تسليح المعارضة السورية.

ويبدو، بحسب مصادر وثيقة الصلة بهذا الملف، أن «الضغط لأجل قيام حكومة مؤقتة يديره الاوروبيون، بالتعاون مع الثلاثي التركي ـــ القطري ـــ السعودي»، مشيرة إلى أنه «حتى (الأمين العام لجامعة الدول العربية) نبيل العربي والموفد (الدولي) الاخضر الابراهيمي حذرا من هذه الخطوة، لأنها تعني الدفع باتجاه إعلان تقسيم سوريا».
وتابعت المصادر أنه «في الاجتماع الاخير بين نائبي وزيري الخارجية الروسي والاميركي، ميخائيل بوغدانوف ووليام بيرنز، بحضور الابراهيمي (في 8 آذار الجاري على هامش مؤتمر أصدقاء اليمن في لندن) تم التفاهم على منع قيام الحكومة الانتقالية وعدم ترك ملف المعارضة للادارة القطرية _ التركية _ السعودية، وحماية معاذ الخطيب الذي توافق الثلاثة على أنه واقعي ولديه سمعة طيبة، وبالتالي الضغط على قوى المعارضة لعدم إطاحته. ويعتقد هؤلاء أن الهدف الفعلي من الحكومة المؤقتة إطاحة الخطيب والإتيان بشخصية مغمورة تتيح للإخوان والقوى النافذة داخل الائتلاف التحكم في المعارضة. كذلك جرى التفاهم على عدم إطلاق العنان للتسليح الشامل».
وبحسب مصدر دبلوماسي عربي، فإن «خطوة الحكومة المؤقتة تندرج ضمن سلة خطوات يستعجل الثلاثي إنجازها قبل موعد القمة العربية المقبلة لأجل تسليم مقعد سوريا الى هذه الجهة، وبالتالي إطلاق برنامج مساعدات خاص أساسه المساعدة على بناء جيش مستقل وتوقيع اتفاقيات تعاون خاصة مع تركيا وقطر والسعودية».
ويأتي اختيار هيتو، أمس رئيساً لأول «حكومة انتقالية معارضة»، وهو مؤسس ونائب رئيس التحالف من أجل سوريا الحرة، تتويجاً لمجموعة من الضغوط مارستها الدول الغربية والعربية على المعارضة السورية.
وكان الاتفاق على رئيس للحكومة الانتقالية المعارضة، شرطاً أساسياً لتعزيز الدول الغربية من دعمها العسكري للمعارضة ولتسليم الائتلاف مقعد سوريا في جامعة الدول العربية.
وحصل هيتو على 35 صوتاً وذلك بعد قرار الإخوان المسلمين والتيارات الإسلامية دعمه، في أعقاب مناقشات ساخنة بين أعضاء الائتلاف، الأمر الذي أدى إلى تأخر الاجتماع المقرر للانتخاب لساعات، لمنح المداولات مزيداً من الوقت، وخصوصاً بعدما دار الحديث عن هيئة تنفيذية.
وسينعكس اختيار هيتو تقليصاً في نفوذ رئيس «الائتلاف» أحمد معاذ الخطيب الذي تعرض للكثير من الانتقادات ومحاولات لإطاحته، على خلفية اتهامه بالموافقة على إجراء مفاوضات مع النظام.
ويفترض برئيس «الحكومة الانتقالية المعارضة»، هيتو، المنحدر من أصول كردية والمقيم في أميركا، أن يعمل على اختيار أعضاء حكومته ليعرضها على الائتلاف لإقرارها، قبل أن تستقر الحكومة في الأراضي الخاضعة لسيطرة مقاتلي المعارضة.
وكان عضو «الائتلاف»، سمير نشار، أوضح لوكالة «فرانس برس»، في بداية اجتماع المعارضة أمس، والذي يفترض أن يختتم اليوم، أنّه في حال انتخاب رئيس لـ«الحكومة الانتقالية المعارضة» خلال الاجتماع، فـ«سينتقل إلى سوريا ويعقد اجتماعات مع المجموعات المقاتلة ومع قيادة الجيش الحر والشخصيات السياسية في الحركة الثورية».
وقبيل اختيار هيتو أيضاً، عقد رئيس «هيئة أركان الجيش الحر»، سليم إدريس، مؤتمراً صحافياً أعلن فيه تكفّله بحمايتها «في المناطق المحررة، بما فيها دمشق».
وفي محاولة لطمأنة الدول الغربية بشأن تسليح المعارضة السورية، قال إدريس «لدينا قائمة بالأسلحة والذخيرة التي تمّ توزيعها على الوحدات القتالية»، ونفى وجود «كتائب إرهابية» في سوريا، مشيراً إلى أنّ ««أحرار الشام» والتشكيلات الثورية الأخرى ستعيد السلاح بعد سقوط النظام».
وتزامنت هذه التصريحات مع تأكيد وزير الخارجية الأميركي جون كيري، عقب لقاء نظيره الأوسترالي بوب كار، أنّ واشنطن لن تقف في وجه الدول الأوروبية التي تريد تسليح المعارضة السورية. وأوضح كيري أن الرئيس الأميركي باراك أوباما «يعتقد أنه ينبغي تغيير المعطى بالنسبة الى الرئيس (السوري بشار) الاسد». وكرر كيري القول إن الرئيس الاميركي «يجري تقييماً وسيواصل تقييم كل الخيارات الاضافية المتوافرة لبلوغ هذا الهدف»، لافتاً إلى أن «الاسد يتلقى مساعدة من الايرانيين، ويتلقى مساعدة من العناصر المرتبطة بالقاعدة، ويتلقى مساعدة من حزب الله، وبشكل علني تصله مساعدة من روسيا». وخلص الى القول «إذا اعتقد (الأسد) أن بإمكانه الخروج من الازمة بالقوة، فإن السوريين والمنطقة يكونون أمام مشكلة، ويكون العالم أجمع أمام مشكلة».
أما قائد أركان الجيش الاميركي الجنرال مارتن دمبسي، فأكد أن الولايات المتحدة تواجه صعوبة متزايدة في معرفة الصورة الحقيقية للمعارضة السورية و»أوجهها المتعددة»، معتبراً أن ذلك يستدعي التحرك «بحذر».
وفيما تتبادل الدول الغربية الأدوار بين من يهدد منها برفع وتيرة الدعم والتسلح للمعارضة السورية المسلحة وبين من يتحدث في العلن عن تحفظه على الخطوة، رأى نائب رئيس مجلس الوزراء السوري، قدري جميل، أنّ «المعركة القادمة هي معركة تسوية سياسية». وبيّن أن «هناك وضعاً إقليمياً مطمئناً ينبغي الاستفادة منه لينعكس على أداء الحكومة ضمن برنامج الحوار الوطني المزمعة إقامته قريباً».
وأشار إلى أن «الولايات المتحدة اتجهت نحو الحل السياسي، وذلك بعد فشلها في التدخل العسكري المباشر في سوريا، وبعد تغير الوضع الدولي».
أما نائب وزير الخارجية السوري، فيصل المقداد، فأشار خلال لقائه وفداً روسياً ضم إعلاميين ومحللين سياسيين إلى «أنّ التدخل الخارجي هو العنصر الأساسي في تأجيج ما يجري في سوريا حالياً، خصوصاً الدور الذي تقوم به تركيا وبعض دول الخليج في تدريب وإيواء وتسليح وتمويل المجموعات الإرهابية المسلحة، ومنها المرتبط بتنظيم القاعدة، بهدف زعزعة الأمن والاستقرار في سوريا». أما أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، سعيد جليلي، فجدد دعم بلاده للمسار الذي تخطو فيه الحكومة السورية لحل الأزمة وفق برنامج سياسي متكامل من خلال الحوار الشامل مع المعارضة الوطنية، والعمل لاستعادة الأمن والاستقرار.
والتشديد على أهمية إيجاد حلول سياسية للأزمة السورية لم يغب أيضاً عن المبعوث الأممي والعربي الأخضر الإبراهيمي، خلال مؤتمر صحافي أعقب لقاءه بالأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي في القاهرة. وفيما تحدث عن «انتتظار القمة العربية المقررة في 26 و27 من الشهر الحالي، لنرى ما يمكن أن تقدمه لحل الأزمة»، حمّل العربي مجلس الأمن «مسؤولية استمرار القتال في سوريا».
ميدانياً، أفادت قناة «روسيا اليوم» أنّ ثلاث قذائف هاون سقطت في مناطق عدة محيطة بقصر «تشرين» الرئاسي في دمشق، وهو قصر غير مستخدم رسمياً لنشاطات الرئيس بشار الأسد.
(الاخبار, أ ف ب، رويترز)