دمشق | لن يعتلي الإمام منبر الجامع الأموي الكبير بعد اليوم. ولن يؤم جموع المصلين خلال صلاة الظهر. ولن يخطب في مريديه بعد الصلاة. هكذا أراد الانتحاري الذي وقف بين المصلين في جامع الإيمان بحي المزرعة، حيث يعطي العلّامة محمد سعيد رمضان البوطي درسه الديني بعد صلاة العشاء من كل يوم خميس. فكان أن قضى في تفجير أوقع 42 قتيلاً و84 جريحاً بينهم حفيد البوطي، داخل حرم الجامع في منطقة لم تُشف بعد من الانفجار السابق منذ أقل من شهر.

خطبة الجمعة عبر الإعلام الرسمي بعد عيد «النيروز»، لن تكون كما كانت قبله؛ فالحداد بدأ عبر المحطات المؤيدة للنظام على الشيخ ذي الأصول الكردية بتلاوة آيات من القرآن، وبثّ الصور الأولى للانفجار، والعيون مفتوحة ومشدوهة تترقب أي صورة تبيّن أشلاء الضحايا بحثاً عن أي أثر للشيخ.
وأصدر الرئيس السوري بشار الأسد بياناً عزّى فيه الشعب السوري باستشهاد البوطي، قائلاً عنه إنه «رجل بحق.. عبر عن الصوت الحقيقي للإسلام واستشهد بين المحراب والمنبر وهو يعلم الناس الخير والدين الحق»، مضيفاً «قتلوك يا شيخنا لأنك رفعت الصوت في وجه فكرهم الظلامي التكفيري». ووعد أن «دماءك انت وحفيدك وكل شهداء اليوم وشهداء الوطن قاطبة لن تذهب سدى».
لا تأتي أهمية الحدث من استهداف إمام شهير للمسلمين من أصول كردية في يوم عيد الأكراد، ولا من اغتيال عالم دين مؤيد للنظام السوري ويمدحه في خطبه محاولاً تهدئة روع الشارع المسلم، والدعوة إلى التعقّل. بل تكمن الخطورة اليوم في استهداف مصلّين مع إمامهم صاحب القامة الدينية الهامّة، التي لطالما كانت قبل الاضطرابات السورية محط إجماع إسلامي، ولا سيّما حين انتقد العديد من سياسات حكومة جنحت نحو العلمانية والابتعاد عن الدين.
مفتي سوريا أحمد بدر الدين حسون وجّه رسالة إلى قتلة البوطي قائلاً: «إني بانتظاركم»، لافتاً إلى أن البوطي هو شهيد الوطن والمسجد والمحراب. ولفت إلى أن كل من يسكت من العلماء المسلمين في العالم بدءاً من الأزهر وصولاً إلى اتحاد علماء المسلمين وغيرهم على جريمة اغتيال الشيخ البوطي، إنما يشارك في اغتيال كل شهداء سوريا. كما أصرّ حسون على موقفه قائلاً: «إننا لا نقف مع نظام إنما مع وطن فتحت عليه حروب العالم».
وفي حين نفى الجيش الحر و«جبهة النصرة» مسؤوليتهما عن الانفجار، استنكر شباب معارضون ما اعتبروه جريمة بحق الدين والإنسان. وأكّدوا أنّ الشيخ البوطي قد أضحى شهيداً الآن بعدما قضى على منبره وأثناء أداء عمله في مكان مقدّس، بينما شهادته هذه قد عرّت قاتله الذي استحق لعنات السوريين.
كما دان رئيس الائتلاف السوري المعارض احمد معاذ الخطيب اغتيال العلامة، واصفاً الاعتداء بأنه «جريمة بكل المقاييس». وقال «نحن ندين بشكل كامل قتل العلامة سعيد رمضان البوطي ونقول ان ديننا وأخلاقنا لا تسمح أبداً أن نتعامل مع الاختلاف الفكري بطريقة القتل»، مؤكداً أن «هذه جريمة بكل المقاييس وهي مرفوضة تماماً»، مرجحاً وقوف النظام السوري وراءها.
مواقع وصفحات معارضة اتهمت أيضاً النظام بتدبير الانفجار، وسط شائعات تناقلتها حول معلومات عن محاولة البوطي الانشقاق وإبعاد عائلته إلى تركيا والسعودية. وهي شائعات تعامل معها مؤيدون بغضب شديد، وانتظار لمجلس العزاء القادم لترقب رؤية أفراد عائلة الشيخ في مراسم الجنازة. حالة الغضب عبر عنها معظم السوريين بين مؤيدين ومتهمين بالرمادية، ضدّ «الجيش الحر» و«جبهة النصرة»، تحديداً الذين لطالما شتموا البوطي ومفتي الجمهورية وجميع رجال الدين الملتفّين حول النظام.
شائعات مضادة أطلقتها مواقع وصفحات مؤيدة حول دفع الإمام الطاعن في السن ثمن كلمة الحق التي قالها، ومنعاً له من قول خطبته غداً والتي كان سيحضّ فيها على الجهاد مع الدولة والجيش ضدّ من يخرّب سوريا ويقتل أبناءها.
العملية الانتحارية متقنة بحسب شهود قرب مكان الحادث، إذ تم تفكيك عبوة ناسفة في حوض زراعي عند باب جامع الإيمان معدّة للتفجير أيضاً، وسط استنتاجات عن استهدافها للشيخ البوطي، فيما لو فشلت عملية الاغتيال بواسطة الانتحاري. وعليه، فإن الجريمة فتحت الباب على المزيد من الجدل والاتهامات بين السوريين.