دمشق | يمكن أيّ شخص يزور سوريا للمرة الأولى أن يدرك أنه أصبح في حيّ الست زينب (جنوبي دمشق) من خلال قراءته للكلمات الفارسية على اللافتات المرفوعة فوق المحال التجارية داخل سوق المنطقة التي تعتبر من أبرز الأماكن السياحية الدينية.


الوصول إلى حيّ الست زينب من وسط مدينة دمشق يمرّ في طريق المطار الدولي. في وقت سابق وليس ببعيد، الطريق لم تكن آمنة: حواجز طيارة للمسلحين وإطلاق قذائف هاون عشوائية. اليوم، ومع تقدم عمليات الجيش السوري في ضواحي دمشق، أصبح الوصول إلى الحيّ سالكاً وآمناً تدريجاً. على الطريق نحو الحيّ حواجز عديدة، ودشم تحمي تمركز العسكريين. يدقّق أحد الحواجز العسكرية في هويات ركاب السيارات ووجوههم ويسألهم عن وجهتهم. وكثيراً ما يبادر الركاب إلى سؤال عناصر الحاجز عمّا إذا كانت المنطقة المقصودة من الزيارة آمنة. سؤالٌ ينبع من مشاهدات بعض المناطق المدمرة كمنطقة بيت سحم القريبة من حيّ الست زينب. ففي بيت سحم، شهدت البلدة مواجهات عنيفة بين المسلحين والجيش السوري على جولات عدة قبل أن يسيطر عليها الجيش، الذي يرفع اليوم العلم ذا الألوان الثلاثة، الأحمر والأبيض والأسود.
عند مدخل سوق البلدة، التابعة إدارياً لمحافظة ريف دمشق، يستوقفك حاجز للجان الشعبية التي أنشئت أخيراً ومهمتها المحافظة على الأمن والنظام فيها، ولا سيّما بعدما شهدته المنطقة، وتحديداً انفجار سيارة مفخخة ذهب ضحيته العشرات من أبناء المنطقة. بالقرب من الحاجز أولاد يلعبون كرة القدم. أصواتهم في بعض الأحيان تعلو أصوات الرصاص المتقطع الذي يسمع في أجواء المناطق المجاورة، حيث لا تزال بعض مناطق ريف دمشق تشهد عمليات عسكرية بوتيرة عالية أحياناً.
أصبح مشهد السلاح مألوفاً داخل منطقة الست زينب، اللجان الشعبية تقوم بدور الحماية، جلّهم من المنطقة نفسها، كما يقول أحد قيادييهم «أبو علي»، وهو اسم حركي. ويشرح أن جميع العناصر يحافظون على النظام ويدافعون عن الحي في حال تعرضهم للهجوم من قبل المجموعات المسلحة، إضافة إلى الاستعداد لتأمين كافة المسلتزمات الحياتية «في حال تعرضنا لحصار».
داخل السوق لا تبدو المحال التجارية في أحسن الأحوال. لم تعد الحركة التجارية كما كانت منذ عمليات الخطف التي استهدفت زوار العتبات المقدسة منذ بداية الأزمة. البضائع مكدسة. وحدها المطاعم الموجودة على طول السوق وأزقة الحي تعمل.
لا تخلو المحال التجارية من صور الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله وصور الرئيس السوري بشار الأسد. الشعارات الحسينية تملأ المكان، وأضيفت إليها شعارات تدعو إلى الدفاع عن مقام الست حتى الشهادة. أحد هذه الشعارات: «لن تسبى زينب مرتين»، في إشارة إلى الردّ على بيان دعت فيه إحدى المجموعات المسلحة إلى هدم المقام.
الوصول إلى حرم المقام والدخول إليه يتطلب تفتيشاً دقيقاً من قبل لواء «أبا الفضل العباس» المكلف بحماية المقام. شبان يبتسمون للزائرين، يضعون على أكتافهم «بادج» للتعريف باسم لوائهم العسكري مكتوب باللون الأصفر. وعند الانتهاء من عمليات التفتيش يتقدمون من الزوار بالاعتذار، معلّلين ذلك بالأسباب الأمنية.
يخيّم الهدوء حول الضريح، نساء وشيوخ ورجال، وللأطفال حصة من الحضور داخل الحرم. لكنات ليست عربية وليست فارسية، بل لكنة بلوشية (باكستانية) تتصاعد من أطفال ثلاثة لا تتجاوز أعمارهم عشر سنوات. جاؤوا مع أهلهم لزيارة ضريح السيدة زينب. ترفض زوجته المنقبة الكلام، ولكن الرجل الأسمر يجيب عن سبب وجوده في هذا المكان بلكنة عربية مكسرة: «إنه نذر نوفيه».
في مكان آخر داخل المقام، رجل ستينيّ من بلدة بنت جبيل اللبنانية. يمسك قفصاً ذا حلقات صغيرة الحجم من الفضة، حيث يقع الصندوق الخشبي المستعمل كغطاء فوق قبر السيدة زينب. يقبّله ويتلو الدعاء لأولاده وعائلته ولخروج سوريا من أزمتها كما يقول. من الناحية الغربية للمقام، وتحديداً على بعد خمسمئة متر، تقع بلدة الجيرة، حيث لا تزال جيوب المجموعات المسلحة موجودة، يقابلها انتشار لعناصر لواء «أبا الفضل العباس». أحياناً تبدأ عمليات القنص المتبادل، وتحديداً في ساعات الليل. ولكن «اللواء» استطاع أن يفرض، أخيراً، تراجعاً لعمليات المسلحين، وتمكّن من تأمين سلامة المنطقة بشكل أفضل وأوسع من السابق، ولكن ليس بشكل نهائي.
عند سماع الأذان يتحوّل المقام إلى خلية نحل. جميع أهالي الحيّ يتقاطرون لتأدية فرض الصلاة. وعندما يحلّ الظلام يقفل المقام وتشدّد الحراسة عليه. وتتحول الشوارع الواقعة على أطراف المنطقة إلى مناطق عسكرية بامتياز، حيث ينتشر العناصر المكلفون بحماية المقام بكثرة، وتشهد من حين إلى آخر اشتباكات متقطعة.
يقول أحد العناصر العسكرية إنّ المجموعات المسلحة تستغل الاكتظاظ السكاني وتداخل الأحياء القريبة من المقام للقيام بهجمات خاطفة وسريعة مع إلقاء قذائف الهاون. ولكن سرعان ما يتوارون عن الأنظار، طبعاً من دون إغفال دور القناصة. وفي الوقت نفسه، لن يستطيع هؤلاء العناصر الاقتراب كثيراً من المقام، رغم محاولاتهم المستمرة. غير أنهم في إحدى المرات تمكنوا من إصابة أطراف المقام بإحدى قذائف الهاون، قبل أنّ يضيف أنّ دخول المقام من قبل المجموعات المسلحة مستحيل، ولن يحصل مهما كلفنا من تضحيات.
في الحيّ عدد كبير من العراقيين، أتوا إلى سوريا خلال حقبة الرئيس العراقي السابق صدام حسين، إضافة إلى موجات العنف الطائفية التي شهدها العراق في السنوات الماضية. تنتشر الفنادق التي تستقبل في السابق زوار المقام الديني. فنادق اليوم أصبحت تفتقد روادها. منها ما أقفل أبوابه ومنها ما لا يزال يعمل ويستقبل بعض الزائرين الذين لا يعيرون التطورات الأمنية حول المنطقة أي حسبان. ولكن الكثير من أصحاب الفنادق وعمالها يراهنون على عودة عملهم بشكل طبيعي، وإن كان أقل، في وقت قريب، كما يروي محمد، النادل الذي يعمل في فندق يشرف على المقام.