في اليوم التالي لإعلان الرئيس جورج بوش على ظهر بارجة حربية أميركية أنّ «المهمة قد أُنجزت» في العراق، وصل وزير الخارجية كولن باول إلى دمشق في يوم الجمعة 2 أيار 2003، وقد أعلن في المطار عند وصوله قائلاً: «سأوضح للرئيس بشار الأسد جلياً كيف تنظر الولايات المتحدة إلى تبدل الوضع في المنطقة مع رحيل نظام صدام حسين». وعند سؤاله عن عواقب تواجهها سوريا في حال عدم تجاوبها مع واشنطن، أجاب: «هذه قرارات سنتخذها بعد أن نرى الأداء وهل سيتغيرون أو لا» («السفير»، 3 أيار 2003). وعند عودة باول إلى واشنطن أوضح أكثر ما جرى في دمشق: «ما قلته للرئيس الأسد هو أننا سنراقب ونقيس الأداء خلال فترة من الزمن لنرى ما إذا كانت سوريا مستعدة الآن للتحرك في اتجاه جديد في ضوء الظروف المتغيرة... لم تعد هناك أوهام في ذهنه (أي الرئيس الأسد) بشأن ما نتوقعه من سوريا... وأضاف باول في سلسلة مقابلات تلفزيونية بواشنطن أنه أبلغ الرئيس السوري قائلاً: إنك تستطيع أن تكون جزءاً من مستقبل إيجابي، أو أن تبقى في الماضي مع السياسات التي تتبعها... الخيار لك» («السفير»، 5 أيار 2003).
كان هذا تحولاً مفصلياً في العلاقات الأميركية ــ السورية لم يحصل مثيل له منذ بداية الغطاء الأميركي للدخول العسكري السوري إلى لبنان. وكان من الواضح في هذا التحول الآتي من طرف واشنطن أنها تريد تدفيع دمشق، الرافضة لغزو العراق واحتلاله، أول فاتورة إقليمية كثمن للمتغيرات الجديدة الناتجة من سقوط بغداد وتحوّل الولايات المتحدة إلى «قوة إقليمية مباشرة» في المنطقة. قيل آنذاك، في العالم الشفوي للسياسة السورية، إن باول قدم ثلاثة وثلاثين مطلباً، كان من بينها ما يتعلق بالوضع الداخلي السوري، إلا أنّ ما طفا على السطح الإعلامي، وعند الرسميين الأميركيين، كان ثلاثة مطالب تتعلق بالعراق وفلسطين ولبنان ،من دون أن تصل الأمور آنذاك للمطالبة بانسحاب سوري، لكن بالتركيز على وقف تزويد حزب الله بالسلاح. (جريدة «الحياة»، 4 أيار2003).

ملاقاة الرياح الغربية

في دمشق، ساد شعور عند الكثير من المعارضين في صيف وخريف 2003 بأنه يمكن تجاوز الجمود الذي أصاب تحركات المعارضة، إثر اعتقالات أيلول 2001، بحكم المتغيرات الجديدة في الأجواء الجديدة الدولية ــ الاقليمية التي أعقبت الغزو الأميركي للعراق. في تلك الفترة بدأت تفسيرات ذلك عند بعض المعارضين بالظهور استناداً إلى المعطى الدولي. في 2 تشرين الأول 2003 قدم الدكتور برهان غليون أول تنظير لذلك، وفي موقع «أخبار الشرق»، من خلال الكلام الآتي الذي يفسر فيه «المحلي» بـ«الدولي»: «النظام السوري، مثله مثل جميع الأنظمة الشمولية التي عرفتها الكرة الأرضية خلال القرن العشرين، قد فقد جميع شروط بقائه التاريخية، وفي مقدمها ظروف الاستقطاب الدولي... وهو اليوم في طريق مسدود دائماً»، وذلك في مقال تحت عنوان: «الإصلاح مجرد سوء تفاهم». وقد كان غليون في تلك الفترة يمارس نفوذاً متعاظماً على رياض الترك، الذي قال قبيل أيام، من جولة خارجية في القارتين الأوروبية والأميركية استغرقت شهرين، إنه عبر احتلال الولايات المتحدة للعراق «أزاحوا نظاماً كريهاً ونقل الأمريكان المجتمع العراقي من الناقص إلى الصفر» (جريدة «النهار»، 28 أيلول2003). وقد عاد الترك من تلك الرحلة ليقول «إن هناك رياحاً غربية ستهبّ على دمشق وعلينا أن نلاقيها ببرنامج سياسي مناسب»، في أحاديث شفوية مع كاتب هذه السطور، ومع العديد غيره.
بعد خمسة أشهر من زيارة باول لدمشق، انتقلت واشنطن إلى خطوة تصعيدية جديدة مع سوريا: موافقة مجلس النواب الأميركي على قانون «محاسبة سوريا واستعادة السيادة اللبنانية»، في يوم 15 تشرين الأول 2003. كان مشروع القانون قد قدم للكونغرس بمجلسيه في الأسبوع الذي جرت فيه الغارة الإسرائيلية على منطقة عين الصاحب قرب دمشق في يوم 3 تشرين الأول، التي عُدَّت تطوراً نوعياً عسكرياً خلال تسع وعشرين سنة من عمر اتفاقية فك الاشتباك السورية ــ الإسرائيلية الموقعة في 31 أيار 1974. في تلك الأيام من خريف عام 2003، كان من الواضح عبر «قانون محاسبة سوريا» أنّ واشنطن تريد تدفيع دمشق ثمن معارضتها للأميركيين بشأن العراق المغزو والمحتل في مكان جغرافي محدد هو بلاد الأرز، وليس في النطاق الجغرافي السوري. في تلك الفترة بدأت بوادر تقارب أميركي ــ فرنسي، بعد خصومة بين باريس وواشنطن بسبب غزو العراق، كان محورها (نزع الوجود السوري من لبنان)، تتوجت بلقاء النورماندي (6-7 حزيران 2004) بين بوش وشيراك، الذي ولد به عملياً القرار 1559، قبل أن يتبناه مجلس الأمن الدولي في 2 أيلول 2004. لا يمكن تفسير المعارضة اللبنانية للوجود السوري (لقاء وليد جنبلاط مع قوى قرنة شهوان ثم اقتراب فريق الرئيس رفيق الحريري منهما في اللقاء الثالث)، من خلال قوة دفع محلية، لكن أساساً عبر رياح دولية أطلقها القرار 1559. عملياً، كانت هذه القوى اللبنانية المحلية، مدفوعة بتلك الرياح الدولية، قد استطاعت إنشاء المناخات (وخاصة في ظرف ما بعد اغتيال الرئيس الحريري) التي أجبرت السوريين على الخروج العسكري من لبنان في 26 نيسان 2005. منذ منتصف أيار، وبدفع من حسابات عند معارضين سوريين بأن «الرياح الغربية» ستمتد من بيروت إلى دمشق، جرت محاولات أدت إلى كتابة ثلاث مسودات لتحالف عريض، أثمرت في يوم 16 تشرين الأول 2005 قيام «إعلان دمشق»، في مناخات من أزمة أميركية ــ سورية كبرى، قبيل خمسة أيام من صدور (تقرير ميليس)، وهو أمر لا يمكن من دونه تفسير نقل مركب التحالف الجديد للمعارضين السوريين من «الطرح الإصلاحي» إلى «الطرح التغييري».
لم تكن واشنطن على هذا النغم السوري المعارض: قبيل ثلاثة أيام من ولادة ذلك التحالف السوري الجديد، قالت جولييت وور، مديرة الشؤون العامة في السفارة الأميركية ببيروت، الكلمات الآتية: «الولايات المتحدة لا تسعى إلى تغيير النظام في سوريا، بل إلى تغيير تصرفاته» (جريدة «السفير»، عدد الجمعة 14 تشرين الأول2005)، محددة تلك التصرفات في ثلاثة أمكنة بالتوالي: العراق، فلسطين (علاقاته مع «حماس» و«الجهاد»)، ولبنان. اصطدم «إعلان دمشق» بالحائط، إلا أنّ هذا لم يوقف القوى الفاعلة فيه عن الاستمرار في نفس النهج الذي تجسد ثانية في «إعلان بيروت - دمشق» (منشور في «السفير»، عدد 12 أيار 2006)، المكتوب في بيروت والمرسل إلى دمشق «معلباً» لتوقيعه، الذي عند مقارنته بقرار مجلس الأمن رقم1680، الصادر بعد خمسة أيام في 17 أيار إثر سعي حثيث من المندوب الأميركي جون بولتون، لا يمكن إلا أن يلفت النظر فيه تشابه مطالباته مع القرار1680بشأن العلاقات السورية ــ اللبنانية.
تبدل المشهد بين دمشق وواشنطن في ضوء نتائج حرب تموز 2006: أصبحت واشنطن لأول مرة منذ سقوط بغداد في يوم 9 نيسان 2003 بموقف دفاعي. إثر ذلك، حصل تقارب أميركي مع دمشق بالوكالة عبر باريس نيكولا ساركوزي منذ صيف 2007، وتكثفت التقاربات التركية والقطرية مع العاصمة السورية. منذ مجيء باراك أوباما إلى البيت الأبيض في الشهر الأول من عام 2009، أصبحت هذه التقاربات الأميركية مباشرة وليست بالوكالة: كانت المطالبات الثلاث التي ذكرتها (جولييت وور) هي مضمون الطلبات الأميركية من دمشق، معطوفاً عليها طلب أميركي بابتعاد العاصمة السورية عن طهران. لم تستجب السلطة السورية للطلبات الأميركية، وقد كانت دمشق بذلك مدفوعة بقوة علامات مكاسب (محور طهران – دمشق – حزب الله – حركة حماس) في محطات 14 حزيران 2007 بغزة، و7 أيار 2008 ببيروت وبنشوء حكومة لنوري المالكي في25 تشرين ثاني2010 أقرب لطهران من قربها لواشنطن، ثم حكومة لبنانية هي أقرب لطهران ودمشق بعيداً عن واشنطن منذ سقوط حكومة الرئيس سعد الحريري عام 2011.

انقلاب العواصم الأربع

من هذا المشهد، يمكننا تفسير كيف تحولت العواصم الأربع المتقاربة من دمشق منذ عام 2007 وحتى الشهر الأول من عام 2011: باريس وأنقرة والدوحة وواشنطن، إلى العواصم الأكثر تشدداً ضد السلطة السورية في الفترة التي أعقبت نشوب الأزمة السورية. ومن الواضح أن هذا المحور يريد عبر الحطب السوري المشتعل تحقيق أجندات اقليمية عبر إعادة «ترتيب هذه المنطقة جذرياً بطريقة ايجابية تخدم أكثر المصالح الأميركية»، وفق تعبير الوزير باول في عام 2003، ولكن في عام 2013 ليس عبر «البوابة البغدادية» وإنما من خلال «البوابة الدمشقية» لضرب «محور طهران – بغداد – دمشق – حزب الله» في عموده الفقري السوري، وتطبيقاً لـ«نظرية أحجار الدومينو»، التي رأينا كيف حصلت في الهند الصينية بربيع 1975، ثم كيف تحققت بخريف 1989 في «الكتلة السوفياتية»، ثم في الاتحاد السوفياتي بالأسبوع الأخير من عام1991.
من دون ذلك لا يمكن تفسير تدويل وأقلمة الأزمة السورية ونشوء محور «موسكو – «البريكس» – طهران – بغداد – حزب الله ضد وفي مواجهة المحور «الأميركي – الأوروبي – التركي – الخليجي» على الأرض السورية التي أصبحت ميداناً مشتعلاً للصراع بين هذين المحورين، ليس على سوريا، بل عبرها، ومن خلالها، كصراع على مجمل إقليم الشرق الأوسط الذي وصفه الجنرال ديغول بأنه «قلب
العالم».




انعكاس على لبنان

في بيروت حصلت ترجمة فورية لتبدل العلاقة الأميركية – السورية عند معارضين لبنانيين للوجود السوري في لبنان. بعد أسبوع من زيارة كولن باول لدمشق كتب سمير قصير: «في ماضٍ ليس ببعيد، كان التفكير في احتمال انتهاء الهيمنة السورية يعدّ ضرباً من الوهم. اليوم أضحى الاعتقاد أنّ هذه الهيمنة ستظل قائمة إلى ما لا نهاية وهماً بدوره. لا لأنّ باول ورايس وساترفيلد لوّحوا ويلوحون بضرورة الانسحاب السوري؛ بل لأن التأقلم الذي نصح به باول الحكم السوري، بما يعنيه من استجابة للتطلعات الأميركية، يفضي إلى تعديل جوهري في سياسته، وصولاً إلى حد تغيير النظام القائم جلده سعياً للديمومة.
وسواء غيّر النظام السوري جلده أو لم يغيّر فإن قدرته على الاحتفاظ بغنيمته اللبنانية الموروثة صارت موضع شك في ظل انقلاب استراتيجي يضيره تمدد أي قوة اقليمية خارج حدودها».