دمشق | خلال وقت قياسي خرج عناصر «الجيش الحر» من حيّ جوبر لاستفزاز حواجز الجيش النظامي المنتشرة على الطريق الرئيسي المؤدي إلى شمال العاصمة قرب ملعب العباسيين. وبدأت بتبادل إطلاق النار في حركة استباقية لجرّ المعركة إلى جهة الشمال للتخفيف عن الجنوب الدمشقي، حيث معارك داريا وما حولها تحتدم يوماً بعد آخر. بعض أهالي جوبر المتواجدين في حديقة «شرقي التجارة» القريبة من محيط الحيّ قالوا لـ«الأخبار» إنّ «عدداً من النازحين توجهوا نحو الريف بسبب الضغط الكبير على ضواحي العاصمة علماً أن الأكثرية كانت رافضة لأي مواجهات مسلحة داخل الحيّ». ربما تعلّم الناس هنا «من كيسهم» كثيراً، فالمنطقة تعرضت لضربات عسكرية أخمدت مظاهر التمرّد منذ تفجير خلية الأزمة في شهر تموز من العام الماضي، من وقتها وهم يزدادون حرصاً على ألا يخسروا موطئ قدم لهم في بيوتهم وأحيائهم الفقيرة، لكن لعنة التشرد لم تتركهم. «أشعر بالأسى على غرفتي الصغيرة التي كلفتني كثيراً لأبنيها على سطح بيتنا في منطقة طيبة داخل جوبر، أخبروني أنّ منزلنا أصبح ركاماً»، يقول عبد الرحمن، الجالس مع والدته على قارعة الطريق والدخان الأسود يتصاعد من خلفهم، بينما أصوات رشقات الرصاص تجعل حديثه مملوءاً بالغصات. تعلق أمّه: «يقطعون الكهرباء أكثر من ستة ساعات، والماء لأيام لا نراها، رغم ذلك كان البيت في جوبر ساترنا». في وقت وجدت فيه بعض العائلات من حيّ «مساكن برزة» ملجأ لها، رغم غلاء إيجارات البيوت الذي عمل عليه «تجار الأزمة» في سوريا.

لا يمكن لآليات المواصلات الدخول إلى المنطقة منذ خمسة أشهر حسب ما ذكر بعض سائقي «سيرفيس» جوبر، فبعض المناطق في الداخل تحت سيطرة «الجيش الحر»، كما أنّ بعض الأحياء لا يمكن العبور منها بسبب ركام البيوت المهدّمة وغياب الخدمات منذ أشهر عن الحيّ حتى قبل احتدام المعارك فيه.
«ينزل معظم ركاب سيرفيس جوبر عند كراج العباسيين ويدخلون إلى المنطقة مشياً على الأقدام، هنالك صعوبة في تحرك السيارات بسبب انقطاع الكهرباء وإغلاق بعض الحارات»، يؤكد أحد سائقي السيرفيس. وأشارات مصادر رسمية سورية إلى أنّ تقدم «الجيش النظامي» وصل حتى منتصف جوبر، تحديداً قرب المركز الثقافي ومحيط دوار المناشير، رغم كل ما يشاع عن سيطرة «الجيش الحرّ» على نقاط مفصلية مثل «ثكنة الموسيقى» القريبة من «الزبلاطاني».
يومياً تنال جوبر نصيباً من العنف الدامي، وتغرق بناها التحتية في الدمار أكثر. مشهد الأبنية المنهارة يظهر للعيان من أيّ مرتفع وسط العاصمة. حرب شوارع مستمرّة في تمدير كلّ شيء.
للمنطقة حساسيتها التي تترك توجساً كبيراً لدى سكان دمشق، وتضعهم في موقع احتمال نشوب موجات مسلّحة تضرب استقرار الشوارع الطفيف، لأنّ جوبر بلدة تفصل الريف عن قلب العاصمة، وخصوصاً من ناحية سوق «الهال» الأضخم في دمشق والمصدر الوحيد للخضر والفواكه والحاجيات الغذائية، حيث تستطيع أن تلاحظ أن هناك بعض المحال أغلقت أبوابها بعد تساقط قذائف هاون، من جهة جوبر رداً على مدفعية ونيران الجيش النظامي. وإلى الآن لا تزال جوبر في معركة كرّ وفرّ، بعدما خرج سكانها النصف مليون إضافة إلى نازحي المناطق المجاورة لها بحثاً عن مأوى يقيهم شرّ القذائف الطائشة، التي أمطرت دمشق في الأيام القليلة الماضية.