عمّان | ثلاث ملاحظات أساسية تتعلق بإعلان الحكومة الأردنية الجديدة، يوم السبت، برئاسة عبد الله النسور؛ أولاها: زيارة مفاجئة منذ أيام للسفير السعودي في عمّان، في سابقة أولى، إلى البرلمان احتجاجاً منه على انتقادات نواب للسياسة السعودية في جلسة خصصت لمناقشة تداعيات الأزمة السورية على البلاد، وثانيتها: صدور بيان لجماعة الإخوان المسلمين يستهجن هجوماً نيابياً مماثلاً على قطر، وهو ما تطلّب شطب أي انتقاد طاول دولاً خليجية من محضر الجلسة المذكورة.

عقلية النظام التي تتخبط بين فكرة ابتزاز دول النفط وهاجس قطع المساعدات تتيح لأعضاء مجلس النواب إدخال أسلحتهم تحت القبة، وتبادل الشتائم والمشاجرات في ما بينهم، وتحميل مجلس الوزراء مسؤولية العجز والمديونية المتراكمة، واتهام الخليج بالتآمر على سوريا وفق مخطط صهيو _ أميركي، غير أن الملك سيعيد تأليف حكومة تعتمد النهج الاقتصادي التدميري نفسه وستنال حتماً الثقة النيابية.
الملاحظة الثالثة تتمثل في حالة الإفلاس السياسي التي يعيشها الأردن، ويجري التعمية عليها عبر خطاب رسمي يصرّ على اعتبار كل ما يحدث «إصلاحاً»، سواء حملة العلاقات العامة المتمثلة بالأوراق النقاشية الملكية الثلاث لتسويق مفاهيم «الديموقراطية المتجددة» و«تجديد الملكية»... إلخ، أو تأكيد رئيس الوزراء عدم وجود تدخلات في اختيار وزرائه، بينما تكفي التفاتة واحدة على الوزراء الـ 18، لنكتشف الأسماء التي فرضها القصر أو دائرة المخابرات العامة أو صندوق النقد الدولي، مع إضافة محدودة _ هذه المرة _ بغرض التوازنات المناطقية والعشائرية.
البروباغندا لا تتوقف عند ادعاءات الشفافية واستقلالية مجلس الوزراء في اتخاذ قراراته، بل تتعداها إلى ترويج برنامج حكومي لأربع سنوات، علماً بأنه لا تغيير جذرياً في إدارة مشكلات البلاد، عدا الهرولة نحو الخصخصة وتحرير الأسعار، وتغليب الأمن على السياسة، وهو ما تظهره نسبة الإنفاق العسكري الذي يصل إلى 25% من الموازنة العامة، إضافة إلى إخفاء حجم مخصصات المخابرات العامة واستثماراتها عن الرأي العام.
واستدعت التركيبة الوزارية الهزيلة استجداء الثقة من خلال إطلاق الوعود بتوزير النواب في تعديل حكومي بعد أربعة شهور، ليبقى الحديث الملكي عن الحكومة البرلمانية حبراً على ورق، لكن الأهم من ذلك كلّه أن الحكومة ستظل لاهثة تطلب ود النواب الذين يواصلون التخلي عن دورهم الرقابي والتشريعي أملاً بالحصول على حقائب وزارية قريباً، وبهذه الصورة لن يفلت المجلسان من ارتهانهما الدائم لمؤسستي العرش والأمن.
في التفاصيل، تستمر مخالفة الدستور بتعيين وزراء رؤساء وأعضاء مجالس إدارات شركات كبرى، وهنا يتبين دور رجال الأعمال وحظوتهم في الحكومة، فضلاً عن تعدٍّ آخر لهذا الفريق الذي يمارس السلطة رغم تهربه الضريبي واستغلاله المنصب العام بإبرام اتفاقيات حكومية لصالح مؤسساتهم الخاصة. حكومة جديدة تشكل صدمة كبرى على مستويات عدة؛ إذ حُسم الجدل حول الإصلاح، وتم تركه بيد الملك الذي أعلن تكراراً ومراراً أن رؤيته هي الوحيدة والممكنة والمنشودة، مستفيداً من تراجع الحراك الشعبي وتشتت مطالبه، وينسحب الأمر أيضاً على الشأن الاقتصادي، وبذلك تتجه الأنظار إلى المفاوضات غير المعلنة مع صندوق النقد الدولي وما ستفرضه من كوارث دفعت كثيراً من المتابعين إلى عقد مقارنات بين الاقتصادين اليوناني والأردني، محذّرين من انهيار وشيك قبل نهاية العام.
ولا تبدو تصريحات رئيس الوزراء ذات أهمية في ما يتصل بالشأن الإقليمي، ومفادها أن الأردن لن يدخل في حرب ضد سوريا، فليس هناك استراتيجية واضحة في التعامل مع اللاجئين والمقيمين السوريين، وليس هناك تصديق أو نفي رسمي لتسليح المعارضة السورية وتدريبها، ووجود قوات أميركية على الأراضي الأردنية وفق تسريبات الصحافة الغربية.
مرة أخرى، يمسك نادي الحكْم بمقدرات البلد ومصيره في لحظة تاريخية، تُذكّر بالأيام التي سبقت غزو بغداد عام 2003، لكن أحداً لا يستطيع التنبّؤ بما هو قادم.