دعا البابا فرنسيس الأول، في أول رسالة في بابويته لمناسبة عيد الفصح، إلى «السلام» في سوريا، فيما احتفل الكاثوليك في هذا البلد بفصح حزين، مع استمرار المواجهات الدامية في مناطق سورية مختلفة.

وقال البابا، أمام مئات آلاف المؤمنين المحتشدين في ساحة القديس بطرس في الفاتيكان، متحدثاً للمرة الأولى بشأن النزاع السوري: «كم من الدماء سفكت، وكم من العذابات ستفرض بعد قبل التمكن من إيجاد حلّ سياسي للأزمة؟». ودعا إلى «السلام لسوريا الحبيبة، من أجل شعبها الجريح بسبب النزاع ومن أجل العديد من اللاجئين الذين ينتظرون المساعدة والتعزية».
ووجّه البابا رسالة رجاء في «محبة الله»، وأدان، أيضاً، الحروب واحتجاز الرهائن والاتجار بالبشر. وتحدث عن الصراع الفلسطيني ــ الإسرائيلي «على أرض المسيح»، ودعا الطرفين، الفلسطينيين والإسرائيليين، إلى سلوك «طريق الوفاق» لـ«وضع حدّ لنزاع مستمر منذ زمن بعيد».
وعلى وقع كلمات البابا، احتفل الكاثوليك في سوريا بعيد الفصح، وسط أجواء يسودها الحزن، بعضهم في مناطق عمّها الخراب بسبب أعمال العنف كما في الغسانية بشمال البلاد. فقد تحولت هذه القرية المسيحية الواقعة بين محافظة إدلب ومحافظة اللاذقية إلى مدينة أشباح يسكنها نحو 15 شخصاً، بعدما كان تعداد سكانها قبل النزاع الدامي يبلغ نحو 10 آلاف شخص، بينهم ست عائلات مسلمة.
وقال جورجيو (88 عاماً)، وهو من آخر السكان الذين لا يزالون في القرية: «لم نتمكن حتى من الاحتفال بالجمعة العظيمة... لأننا لم نجرؤ على الخروج من منازلنا». ورغم ذلك ذهب جورجيو إلى الكنيسة للاحتفال بعيد الفصح إلى جانب آخرين من سكان القرية، وكذلك ذهبت أربع راهبات وكاهنان. وقال جورجيو، الذي فرّ أبناؤه الستة بعد أن تدمرت منازلهم إثر القصف: «إننا شعب سلام، ولسنا شعب حرب، إننا نريد السلام للعالم أجمع». وعند مدخل الغسانية تمثال ضخم للقديس جاورجيوس حطّمت نصفه قذيفة، فيما حمل مزار للسيدة العذراء على سطح أحد المنازل آثار القصف.
كذلك تحمل إحدى الكنائس الثلاث الموجودة في القرية، التي تعود إلى الطائفة الإنجيلية آثار القصف. ويحمي الرجال الذين لم يغادروا القرية المنازل التي بقيت بمنأى عن الدمار.
ولم توفر أجواء الحزن العاصمة دمشق التي تشهد أطرافها معارك وعمليات عسكرية. وقال ناجي (32 عاماً)، الذي فقد أخاه منذ ثلاثة أشهر: «هذا العيد حزين، لا عيد لدينا في العائلة». وأوردت فاديا (53 عاماً)، وهي مترجمة، بحسرة، قائلة: «أي عيد في هذه الأيام؟ إني أخجل من كلمة عيد والبلد مجروح».
وفي العراق، احتفلت الكنائس الـ28 في بغداد التي تعاني من هروب رعاياها إلى مناطق أخرى أكثر استقراراً، بأحد عيد الفصح. وصلّت من أجل أن يقوم البابا بزيارة العراق. وثبّت موفق عكراوي (70 عاماً) صورة للبابا وراء أيقونة السيدة العذراء التي تستقبل الزائرين عند مدخل كنيسة مريم العذراء الكلدانية بوسط بغداد، وقال بابتسامة عريضة: «إنّ حبرنا الأعظم رجل متواضع وطيب». وقالت أسيل أيسر (17 عاماً): «سيكون مجيئه حدثاً هاماً جداً بالنسبة إلينا. أظهر لنا أنه يحبنا». وقبل عشرة أيام، أكد البطريرك الكلداني العراقي، لويس روفائيل الأول ساكو، عبر إذاعة الفاتيكان أنّ البابا أبدى رغبته في المجيء دعماً لمسيحيي العراق.
وكان عدد أتباع الكنيسة الكلدانية التابعة للفاتيكان يبلغ قبل غزو العراق في عام 2003، نحو 550 ألف شخص في العراق و150 ألفاً في المهجر. واليوم انعكست النسب تقريباً. وقالت أيسر: «مع أعمال العنف لا أظن (أن البابا سيأتي). حتى إنّه أمر خطير بالنسبة إلينا». ورَوَت أنّ والدتها أصيبت بجروح في ساقها من جراء قذيفة قبل ثلاث سنوات. الكاهن لويس شابي، أكّد، وهو يشير إلى الجنود الذين يتولون الحراسة أمام كنيسته قائلاً: «لا نخاف، فالله معنا».
وبالرغم من أعمال العنف، جاء المؤمنون بكثافة للاحتفال بعيد الفصح وفق التقويم الغربي. هند كمال، بدورها، قالت بأسى: «في زمن صدّام لم يكن بإمكاننا الدخول إلى الكنيسة من شدة الازدحام. اليوم في عيد الفصح الكنيسة ممتلئة بالمصلين. لكن في الاوقات العادية لا يتجاوز عدد المصلين المئة».
ولفتت آندي، التي تناهز العشرين، ويلفّ معصمها وشم بشكل مسبحة الوردية: «لا أخاف أحداً، الأمر الوحيد الذي يزعجني هو أنني لن أستطيع مطلقاً أن أتوظّف في الدولة. فالوشم ظاهر جداً».
(أ ف ب)