الإسكندرية | ربما كان الحال الذي وصلت إليه العلاقة بين النشطاء السياسيين من جانب وجماعة الإخوان المسلمين من جانب آخر في الإسكندرية، كاشفاً لحجم الهوة الكبيرة التي باتت آخذة في الاتساع بين الطرفين ووصلت إلى تبادلهما تحرير المحاضر لبعضهما البعض بتهمة اختطاف كل طرف أحد أفراد الطرف الآخر فضلاً عن أن اتهام كلا الطرفين لقوات الشرطة بأنها تستهدفهم لصالح طرف آخر.

فالنشطاء يرون أن القيادات الجديدة للداخلية تسعى لكسب ولاء الإخوان بالاعتداء عليهم، بينما يرى الإخوان أن الداخلية تغض الطرف عن بعض ما يقوم به بعض المعتدين على مقارها. إلا أن الجمعة الماضية حملت وقائع كشفت الصورة بشكل أكبر، وذلك حينما اتهم الطرفان اللواء ناصر العبد، مدير مباحث الإسكندرية وأحد الوجوه المعروفة بعدائها لكل السياسيين في الإسكندرية بكافة أطيافهم، بتدبير ما يحدث معهم. أحد كوادر الإخوان، فضل عدم ذكر اسمه، قال لـ«الأخبار» إن واقعة تعدي البلطجية، على المقر الرئيسي للجماعة وحضور الشرطة بعد ساعتين كشفا صمت الأمن التام. الأمر الذي دفعهم إلى تحري المسألة، فكشفوا أن العبد كان على بعد 300 متر عن الأحداث ولم يحرك ساكناً، مكتشفين من خلال أنصار لهم اقتربوا من مجتمع البلطجية تحريك العبد لهم. هذا فيما اتهمت قيادات إخوانية، في حديثها لـ«الأخبار» العبد بأنه كان يسعى لاستفزاز النشطاء والتعدي عليهم عند التظاهر عند مقر الإخوان، مع عدم القبض في ذات الوقت على أي من البلطجية. وهي الروايات التي تشابهت مع روايات النشطاء، التي اتهمت العبد بزرع مجموعة من البلطجية تابعين للداخلية وبعض رجال أعمال الإسكندرية، أحدهم كان قد تولى حملة جمال مبارك قبل الثورة، وذلك من أجل توجيه التظاهرات نحو أقسام الشرطة وافتعال اشتباكات، كما حدث في شباط الماضي أمام قسم سيدي جابر. وهو ما يؤكده عبد الرحمن الروبيشي، الناشط السياسي في الإسكندرية، الذي يروي شهادته عن تدخل الشرطة في تحويل بعض مسيرات النشطاء والمتظاهرين عبر متعاونين معها. أحد هؤلاء رصده الروبيشي في أكثر من مسيرة يسعى لتحويل مسارها إلى طريق آخر يمر بأحد أقسام الشرطة، حتى يحدث استفزاز من قبل المتعاونين معه للشرطة فتندلع اشتباكات معها، ما يبرر لقوات الأمن استخدام العنف مع النشطاء فضلاً عن تشويه مسيرتهم، ذاكراً مواقف أخرى من بينها مسيرة المجلس المحلي الأخيرة.
هذه الشهادات والروايات باتت تؤكد أن الكثير من رجال الداخلية كالعبد، الذي عاد لتولي مهمته في الإسكندرية منذ شهر تموز العام الماضي وخدم مع وزير الداخلية السابق والوزير الحالي، يرغبون في الانتقام من كل الأطراف حتى يُنهك أحدهم فتنقض الداخلية على الآخر.
ووفقاً لروايات متواترة لعدد من المواطنين لـ«الأخبار»، فإن رجال الشرطة في تعاملاتهم اليومية، دائمو الهجاء للرئيس محمد مرسي بالتزامن مع هجائهم للثورة في ذات الوقت، ما يكشف رفض الشرطة لفكرة التغيير على كافة مستوياتها ورغبتها في الانتقام من الثورة ووجود مرسي على حد سواء.
اللواء ناصر العبد، نفى في حديث مع «الأخبار» انحيازه أو انحياز الداخلية لأي طرف أو فصيل قائلاً «ده كلام مش صحيح، إحنا بنشتغل لمصلحة مصر». بدوره، استبعد أحمد مولانا، الباحث في الشؤون الأمنية، أن يكون هناك أي تحالف بين وزارة الداخلية والإخوان، مشيراً إلى أن «الداخلية تلعب لمصالحها وللنظام القديم».
وأشار إلى أن موقف الداخلية هو الاعتداء على من يتصدى لما تريد فعله، أو يحتك بها سواء لفظياً أو مادياً، فضلاً عن أنها تعادي كل من كان له دور في الثورة، وهو ما تمثل في العداء للألتراس. ورجح أن تكون استخدمت في بعض الأحيان أسلوب «الفخاخ» عبر خلق بؤر للتوترات، من أجل خلق مواجهة مع من تريد الانتقام منه أو التعدي عليه وكأنها تريد أن تقول للشعب المصري «ذوقوا ما جنته أيديكم من الثورة».
كما لفت إلى أن المشكلة الحالية هي أن الوزير الموجود الآن، محمد إبراهيم، لا يتبع رجال حبيب العادلي في الوزارة، لذا فالهجوم عليه كان من أول يوم تولى فيه الوزارة. وفيما يشدد مولانا على أن الداخلية تمارس أدواراً فقط لصالحها ولا يعنيها إخوان أو ثوار أو إسلاميون، يرى المحامي خلف بيومي، وهو مدير مركز الشهاب لحقوق الإنسان، أن ما يحدث له علاقة بالعجز عن إصلاح الداخلية، لأنه لا يكون عبر تغيير الوزير، بل عبر إعادة هيكلتها كلها. وأوضح أن الداخلية كمؤسسة تقوم على أساس السمع والطاعة، ويظهر ذلك في التأثير الكامل لمديري ورؤساء المباحث في مديريات الأمن على مرؤوسيهم في أقسام الشرطة، وهي المنظومة التي لها تأثير مباشر على حالة الشارع.
وشدد على أن «آفة» الداخلية في المباحث الجنائية، التي تعلم بكافة أركان منظومة البلطجة ولم تقترب منها، لافتا إلى عدم تغيير أي من قيادات المباحث الجنائية أو اتهامهم بقتل الثوار أو الاعتداء عليهم، من بينهم ناصر العبد وخالد شلبي، أكبر قياديين في الإسكندرية في المباحث الجنائية أثناء الثورة.
ويقترح بيومي تطهير الشق الخطر في الداخلية كأحد المسارات لإصلاح الداخلية وذلك من خلال احالة كل ذوي رتبة لواء والرتب الكبيرة فيها إلى المعاش، لأن غالبية هذه الرتب تنفذ ما تربت عليه وتحمي رجالها في كل مكان، ولم تأخذ أي إجراء تأديبي ضد أي أحد منهم.
وعن انحياز الداخلية للإخوان، قال بيومي إن الداخلية تريد فرض هيمنتها مرة أخرى على الشارع، وتقوم بذلك من خلال التصدي لأية حالة حراك في الشارع، مبيناً أن «بعض الإخوان يرى أن حماية الداخلية لمقار الإخوان ودفاعها عنهم بمثابة أداء الدور الكامل للداخلية وهو أمر قاصر يحتاج إلى تدقيق».
ويتابع بيومي، أنه منذ فترة طويلة ونشاط الداخلية يتسم بمحاولة تأجيج الصراع بين الفرقاء، مستدلاً على ذلك بعدم اتخاذها إجراءات تجاه البلطجية الذين يمثلون الوقود الطبيعي لحالة الصراع، هذا فضلا عن وقوفهم موقف المتفرج في عدد من الأحداث.
ونبه إلى أن الداخلية لم تنتفض وتقبض على أحد إلا عندما تعرضت هي لاعتداء شخصي أمام قسم الرمل، فإذا بها تتجاوز الخطوط الحمراء وتضرب محامين أثناء تأديتهم لوظيفتهم. وهي أمور جميعها تكشف أن مرسي لا يزال عاجزاً عن التعامل مع هذا الجهاز الذي بات يغرد منفرداً، وتثبت الأيام أن تغيير رؤسائه لا يكفي بمفرده، ولا سيما في ظل عدم وجود قوة توازيه على الأرض، إلا الجيش الذي بدوره من الخطر التصدي له ورغبته في الابتعاد عن تعقيدات الحياة اليومية وإدارتها.